أ. د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية
لطالما وُصف الاقتصاد العراقي بأنه "اقتصاد ريعي" بامتياز، حيث يشكل النفط العمود الفقري للموازنة العامة. ومع التزام العراق بأجندة التنمية المستدامة 2030، يبرز التساؤل الجوهري: كيف يمكن الموازنة بين ضرورة نمو الاقتصاد وتوفير العمل اللائق (الهدف الثامن) وبين حتمية الاستهلاك والإنتاج المسئولان (الهدف الثاني عشر)؟
إن الإجابة تكمن في "التنويع الاقتصادي" كستراتيجية لا غنى عنها لضمان مستقبل مستقر.
معضلة الاعتماد الأوحد (النفط والنمو الهش):
الاعتماد المفرط على النفط يجعل النمو الاقتصادي في العراق "نمواً كمياً" مرتبطاً بأسعار السوق العالمية، وليس "نمواً نوعياً" نابعاً من إنتاجية الفرد. ولتحقيق الهدف الثامن، يجب كسر هذه الحلقة عبر:
• تنشيط القطاعات غير النفطية: مثل السياحة، الصناعة، والخدمات اللوجستية، لضمان استمرارية تدفق الدخل في حال تذبذب أسعار الطاقة.
• تحويل الريع إلى استثمار: استخدام الإيرادات النفطية لتمويل مشاريع بنية تحتية مستدامة تخلق فرص عمل حقيقية ودائمة للشباب.
الإنتاج المسئول كمدخل للتنويع (الهدف الثاني عشر):
التنويع الاقتصادي لا يعني زيادة الإنتاج بأي ثمن، بل يعني تبني الإنتاج المسئول. ويتجسد ذلك في العراق من خلال:
1. كفاءة الموارد: تقليل الهدر في إنتاج واستخدام الطاقة والكهرباء، مما يوفر أموالاً طائلة يمكن إعادة توجيهها للتنمية.
2. دعم "الاقتصاد الدائري": تشجيع الصناعات التي تعتمد على إعادة تدوير المخلفات، مما يقلل الكلف الإنتاجية ويحمي البيئة العراقية من التلوث.
3. ترشيد الاستهلاك الحكومي: البدء بسياسات تقشفية ذكية في المؤسسات الرسمية لتقليل الإنفاق غير المنتج وتوجيه السيولة نحو المشاريع الاستثمارية.
تحدي البطالة المقنعة والعمل اللائق
تحقيق الهدف الثامن في ظل اقتصاد ريعي يواجه عقبة "البطالة المقنعة" في القطاع العام. إن التنويع الاقتصادي سيسمح بـ:
• امتصاص الزخم البشري نحو القطاع الخاص المنتج.
• توفير بيئة عمل تضمن الحقوق والضمان الاجتماعي بعيداً عن الترهل الإداري.
دور التكنولوجيا في تسريع التحول
لا يمكن تحقيق الاستهلاك المسئول أو التنويع الاقتصادي دون "الرقمنة". إن اعتماد أنظمة الدفع الإلكتروني، والأتمتة في المصانع، وإدارة الموارد عبر الذكاء الاصطناعي، سيسهم في تقليل الفساد المالي والإداري، وهو ما يعد حجر الزاوية في أي جهد تنموي مستدام.
إن تنويع مصادر الدخل في العراق ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو ضرورة أمنية واجتماعية. إن المواءمة بين نمو الاقتصاد وترشيد الاستهلاك تتطلب رؤية وطنية شاملة تخرجنا من دائرة "الاقتصاد الاستخراجي" إلى رحاب "الاقتصاد المستدام". إن الطريق نحو 2030 يبدأ من الوعي بأن المورد الحقيقي هو الإنسان المبدع والمنتج، وليس برميل النفط فحسب.