أ.د خالد حسين المزوك
كلية العلوم الإدارية - جامعة المستقبل
منذ فجر التاريخ، ارتبطت الحروب بالصراع على السلطة والثروة والنفوذ، بينما ارتبط السلم بالاستقرار والتنمية والازدهار. ومع ذلك، ما زال الجدل قائماً حول ما إذا كانت الحروب، رغم خسائرها الهائلة، قد تحقق أرباحاً اقتصادية لبعض الأطراف، وما إذا كان السلام دائماً الطريق الأضمن لتحقيق المكاسب. فهل مقولة “تكاليف الحرب وأرباح السلم” حقيقة واقعية أم مجرد تصور مثالي؟
لا شك أن الحروب تفرض أثماناً باهظة على الدول والشعوب. فهي تستهلك الموارد المالية، وتدمر البنى التحتية، وتؤدي إلى خسائر بشرية يصعب تعويضها. كما تؤثر سلباً في التعليم والصحة والاستثمار، وتدفع الاقتصادات نحو الانكماش والديون. وتظهر التجارب التاريخية أن الدول التي خاضت حروباً طويلة احتاجت سنوات، وأحياناً عقوداً، لاستعادة مستوياتها السابقة من التنمية.
في المقابل، يرى بعض الباحثين أن الحروب قد تحقق مكاسب اقتصادية لفئات محددة، مثل شركات الصناعات العسكرية أو بعض القوى التي تستفيد من إعادة الإعمار أو السيطرة على الموارد. غير أن هذه الأرباح تظل جزئية ومحصورة، ولا تعكس المصلحة العامة للمجتمعات. فالأموال التي تُنفق على السلاح كان يمكن أن تُستثمر في التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية، وهي قطاعات أكثر قدرة على تحقيق تنمية مستدامة.
أما السلم، فإنه يوفر البيئة المناسبة للنمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي. ففي ظل الاستقرار تتدفق الاستثمارات، وتزدهر التجارة، وتزداد فرص العمل، وتتوسع الخدمات العامة. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن فترات السلام الطويلة كانت العامل الأساسي في تحقيق النهضة الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة. فالسلم لا يعني غياب الحرب فقط، بل يعني أيضاً وجود مؤسسات قوية وقوانين عادلة وعلاقات تعاون بين الدول والشعوب.
ومع ذلك، فإن أرباح السلم ليست تلقائية. فوجود السلام وحده لا يضمن الازدهار ما لم تقترن به سياسات رشيدة وإدارة فعالة للموارد. فبعض الدول تعيش في سلام لكنها تعاني من الفساد أو سوء التخطيط، مما يحرمها من جني ثمار الاستقرار.
وخلاصة القول، إن تكاليف الحرب حقيقة مؤكدة تدفعها الشعوب والدول بأشكال متعددة، أما أرباحها فتظل محدودة ومؤقتة وتعود غالباً على فئات ضيقة. وفي المقابل، فإن أرباح السلم أكثر شمولاً واستدامة، وإن كانت تتطلب عملاً وجهداً وإدارة حكيمة لتحويل الاستقرار إلى تنمية حقيقية. لذلك يبقى السلام، رغم تحدياته، الخيار الأكثر عقلانية وإنسانية لتحقيق التقدم والرخاء.