أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية - جامعة المستقبل
قراءة تحليلية في الأهداف الأول والثاني والثامن والثاني عشر
تُعد الموازنة العامة من أهم أدوات السياسة الاقتصادية التي تستخدمها الدولة لتوجيه الموارد المالية نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي العراق، تزداد أهمية الموازنة العامة بالنظر إلى الدور الكبير الذي تؤديه الإيرادات النفطية في تمويل الإنفاق الحكومي، الأمر الذي يجعل المالية العامة عرضة للتأثر بتقلبات أسعار النفط والإيرادات الخارجية.
ومن هنا، فإن العجز في الموازنة العامة لا يمثل مجرد فجوة بين الإيرادات والنفقات، بل يمكن أن تكون له آثار تمتد إلى مستويات المعيشة وفرص العمل والأمن الغذائي وكفاءة استخدام الموارد، وبالتالي إلى قدرة العراق على تحقيق أهداف التنمية المستدامة ضمن أجندة 2030.
العجز المالي والتنمية المستدامة.. علاقة مترابطة
تحتاج التنمية المستدامة إلى موارد مالية مستقرة تمكن الدولة من الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية. وعندما يستمر العجز في الموازنة، قد تضطر الحكومة إلى زيادة الاقتراض أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، الأمر الذي قد يحد من الموارد المتاحة للمشروعات التنموية إذا لم تتم إدارة العجز بصورة كفوءة.
غير أن معالجة العجز لا تعني بالضرورة خفض الإنفاق بصورة شاملة، بل تتطلب رفع كفاءة الإنفاق العام، وتنويع الإيرادات، وتقليل الهدر، وتوجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية التنموية.
الهدف الأول: القضاء على الفقر
يرتبط الحد من الفقر بقدرة الدولة على توفير الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية وخلق فرص اقتصادية للفئات الأكثر احتياجًا.
وقد يؤدي استمرار العجز المالي إلى تقليص الحيز المالي المتاح لبرامج الحماية الاجتماعية والاستثمار في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، وهي قطاعات تؤدي دورًا مهمًا في تحسين مستوى المعيشة والحد من الفقر.
وفي المقابل، يمكن للسياسة المالية أن تكون أداة فاعلة لمكافحة الفقر من خلال توجيه الإنفاق نحو المشاريع المنتجة والمناطق والفئات الأكثر احتياجًا، بما يسهم في خلق فرص العمل وزيادة الدخول بدلًا من الاقتصار على المعالجات قصيرة الأجل.
الهدف الثاني: القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي
لا ينفصل الأمن الغذائي عن الاستقرار المالي للدولة؛ فالاستثمار في الزراعة والري واستصلاح الأراضي والبنية التحتية الزراعية يمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز قدرة العراق على إنتاج الغذاء محليًا.
وقد يؤدي تراجع الإنفاق الاستثماري نتيجة الضغوط المالية إلى إبطاء تطوير القطاع الزراعي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، الأمر الذي يجعل الأمن الغذائي أكثر تأثرًا بالتقلبات الاقتصادية والأسعار العالمية.
لذلك، فإن توجيه جزء من الموارد العامة نحو رفع الإنتاجية الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي ودعم المشاريع الزراعية المستدامة يمثل استثمارًا طويل الأجل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الهدف الثامن: العمل اللائق والنمو الاقتصادي
يمثل النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل أحد أهم المسارات لمعالجة الاختلالات المالية على المدى الطويل. فكلما توسعت القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، زادت فرص تنويع مصادر الدخل والإيرادات العامة.
ويواجه العراق تحديًا يتمثل في الحاجة إلى الانتقال تدريجيًا من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، قادر على خلق فرص عمل مستدامة في قطاعات مثل الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات.
ومن هنا، فإن معالجة العجز ينبغي ألا تقتصر على ضبط النفقات، بل يجب أن تترافق مع سياسات تشجع الاستثمار والقطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتدعم الإنتاجية وخلق فرص العمل اللائق.
الهدف الثاني عشر: الاستهلاك والإنتاج المسؤولان
ترتبط كفاءة المالية العامة بصورة مباشرة بمفهوم الاستهلاك والإنتاج المسؤولين. فهدر الموارد المالية أو توجيه الإنفاق نحو نفقات لا تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية كافية يمثل تحديًا أمام الاستدامة المالية والتنموية.
وتبرز هنا أهمية تطوير إدارة الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية والرقابة، واعتماد معايير الكفاءة في تنفيذ المشاريع الحكومية، فضلًا عن دعم الاستثمارات المرتبطة بالطاقة النظيفة وإدارة المياه والنفايات والاستخدام الرشيد للموارد.
وبذلك تصبح الموازنة العامة أداة ليس فقط لتحقيق الاستقرار المالي، وإنما أيضًا لتعزيز التحول نحو اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام الموارد وأكثر استدامة.
نحو موازنة عراقية أكثر ارتباطًا بأهداف التنمية المستدامة
إن تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي والتنمية المستدامة يتطلب إعادة النظر في طريقة إعداد وتنفيذ الموازنة العامة، بحيث لا يتم التركيز على حجم الإيرادات والنفقات والعجز فقط، وإنما على الأثر التنموي للإنفاق العام.
ويُعد ربط الموازنة بأهداف التنمية المستدامة أحد المسارات المهمة لتحقيق ذلك، من خلال توجيه الموارد وفق أولويات واضحة، وقياس نتائج الإنفاق ومدى مساهمته في تحقيق أهداف مثل القضاء على الفقر والجوع، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين كفاءة الإنتاج والاستهلاك.
كما أن تنويع مصادر الإيرادات يمثل ضرورة استراتيجية للعراق، من خلال تطوير الإيرادات غير النفطية، وتحسين الإدارة الضريبية والكمركية، وتشجيع النشاط الاقتصادي المنتج، بما يقلل من حساسية الموازنة تجاه تقلبات أسعار النفط.
إن العلاقة بين العجز في الموازنة العامة وأهداف التنمية المستدامة في العراق هي علاقة تتجاوز الجانب المالي إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية واسعة. فاستمرار العجز دون إصلاحات هيكلية قد يحد من قدرة الدولة على تمويل البرامج التنموية، في حين أن الإدارة الرشيدة للعجز يمكن أن تفتح المجال أمام إعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج وتحقيق نمو أكثر استدامة.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام السياسة المالية العراقية لا يتمثل فقط في خفض العجز، وإنما في بناء موازنة أكثر كفاءة وعدالة واستدامة، توازن بين متطلبات الاستقرار المالي واحتياجات المجتمع، وتوجه الموارد نحو تحقيق التنمية الشاملة.
إن تبني موازنة مرتبطة بأهداف التنمية المستدامة (SDG 1، SDG 2، SDG 8، SDG 12) يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد عراقي أكثر تنوعًا وإنتاجية، وتحقيق تنمية لا تقتصر آثارها على الحاضر، بل تمتد لتضمن مستقبلًا أفضل للأجيال القادمة.