المهندسة تبارك محسن عاشور
في كل ثانية تتدفق فيها المداخن المصنعية وأنابيب العادم في المصانع الكبرى، تضيع كميات هائلة من الحرارة المهدرة في الجو دون أي فائدة، مما يشكل هدرًا اقتصاديًا وضغطًا بيئيًا إضافيًا. لكن الكيمياء الحرارية الحديثة تبنت مفهوم "الصدمة الحرارية" عبر استغلال مادة كيميائية ومركبات بلورية تُدعى المواد الكهرومجهدية الحرارية (Thermoelectric Materials). تعتمد هذه التقنية على ظاهرة كيميائية تُعرف بـ "تأثير سيبك" (Seebeck Effect)؛ حيث يُوضع مركب كيميائي شبه موصل بين جبهتين: جبهة حارة جدًا تلامس العادم، وجبهة باردة، فتحدث صدمة حرارية تجبر الإلكترونات داخل البنية الكريستالية للمادة على الهروب السريع من الجانب الساخن نحو الجانب البارد. هذا التدفق الكيميائي للإلكترونات يتحول مباشرة إلى تيار كهربائي مستمر شديد القوة دون وجود أي أجزاء متحركة أو توربينات ميكانيكية، مما يحول حرارة العادم المهدرة إلى مصدر إضافي ومجاني للكهرباء النظيفة!
ولتحويل هذا المفهوم إلى تطبيق صناعي شامل يوفر مليارات الدولارات من الطاقة، تتركز الحلول والخطوات التنفيذية في المحاور التالية:
هندسة البلورات النانوية المشوبة: تطوير مركبات كيميائية تعتمد على مادة "تيلوريد البزموت" ومصنوعة بتقنيات النانو لتقليل توصيل الحرارة مع زيادة التوصيل الكهربائي، مما يرفع كفاءة تحويل الحرارة إلى كهرباء لأعلى مستوياتها.
التركيب المباشر على خطوط العادم: دمج الشرائح الكيمو-حرارية المباشرة على جدران أنابيب ومداخن مصانع الحديد والأسمنت ومحطات توليد الطاقة، لتشغيل إضاءة وأجهزة المصنع ذاتيًا من حرارته المهدرة.
الاستغلال في المحركات والسيارات: تغليف أنابيب العادم في المركبات بهذه المواد الكيميائية لتوليد طاقة تشحن البطارية الداخلية، مما يقلل استهلاك الوقود بنسب ملموسة.
التكامل مع المحطات الشمسية الحرارية: استخدام المواد الكهرومجهدية جنبًا إلى جنب مع المجمعات الشمسية لتحويل الفوارق الحرارية بين النهار والليل إلى طاقة مستمرة على مدار الساعة.
إن تحويل الحرارة المفقودة إلى كهرباء عبر السحر الكيميائي يثبت أن الحلول البيئية لا تتطلب دائمًا مصادر جديدة للطاقة، بل تتطلب ذكاءً في إعادة استغلال ما نهدره كل يوم!