المهندسة نورهان ثامر عاصي
طالما ارتبطت الطاقة الشمسية بوجود ضوء النهار، لكن الأبحاث الحديثة كشفت عن مفهوم ثوري يقلب هذه القاعدة رأساً على عقب، ويتمثل في إمكانية توليد الكهرباء في منتصف الليل باستخدام ما يُعرف بـ "الألواح الكهرومغناطيسية العكسية". تعتمد هذه التقنية على ظاهرة فيزيائية تُسمى "التبريد الإشعاعي" (Radiative Cooling)؛ فخلال النهار، يمتص الكوكب الحرارة من الشمس، وفي الليل، تتجه تلك الحرارة المتجمعة في الأرض على هيئة أشعة تحت حمراء لتنبعث نحو الفضاء الخارجي الشديد البرودة. وهنا يأتي دور الألواح العكسية المصممة لتعمل باتجاه معاكس للألواح التقليدية، حيث تُصوب نحو السماء المظلمة لتكون هي الجزء الدافيء والفضاء هو الجزء البارد، فينساب التدفق الحراري من اللوح إلى السماء، ويتحول هذا التباين الحراري مباشرة إلى طاقة كهربائية مستمرة حتى في أشد الأوقات ظلاماً.
ولتحويل هذا المفهوم الفيزيائي إلى حل عملي يتكامل مع الشبكات الكهربائية، تتجه الجهود نحو مجموعة من الحلول والخطوات التنفيذية:
تطوير المواد الحرارية الكهرومولدية (Thermoelectric Generators): تحسين كفاءة المواد شبه الموصلة المستخدمة في الألواح لرفع قدرتها على تحويل التفاوت الصغير في درجات الحرارة بين الأرض والفضاء إلى جُهد كهربائي أعلى.
الدمج بين الأنظمة النهارية والليلية: تصميم ألواح هجينة مزدوجة الوظيفة تعمل كخلايا ضوئية تقليدية لتوليد الطاقة من الضوء في النهار، وتتحول تلقائياً في الليل إلى خلايا تبريد إشعاعي لتوليد الطاقة من الحرارة المنبعثة.
تأمين طاقة أساسية مستمرة (Base Load Power): استخدام هذه الألواح في المناطق النائية والصحراوية لضمان تشغيل الأجهزة الأساسية الحساسة مثل أجهزة المراقبة والمستشعرات والمصابيح الليلية دون الحاجة إلى الاستعانة ببطاريات تخزين ضخمة ومكلفة.
دعم شبكات المدن في ساعات الذروة الليلية: دمج هذه التقنية في الواجهات والمعالم الحضرية لتقليل الضغط عن شبكة الكهرباء العامة خلال الفترات التي يتوقف فيها الإنتاج الشمسي التقليدي.
إن استغلال برودة الفضاء المظلم يفتح باباً جديداً لعصر لا تنام فيه الطاقة النظيفة، لتصبح الشمس مصدراً للكهرباء حتى بعد أن تغيب عن الأنظار!