يُعدّ العرف الإداري أحد المصادر غير المكتوبة للقانون الإداري، وينشأ نتيجة اعتياد الإدارة العامة على اتباع سلوك معين بصورة منتظمة ومستمرة، مقروناً باعتقادها بإلزامية هذا السلوك وضرورة احترامه. وتبرز أهمية العرف الإداري في المجال الإداري بسبب عدم قدرة التشريع على الإحاطة بجميع التفاصيل المتغيرة التي تفرضها ممارسة الوظيفة الإدارية، الأمر الذي يجعل العرف وسيلة لسد بعض أوجه النقص التشريعي وتيسير سير المرافق العامة بانتظام واطراد. وقد أكدت دراسات قانونية عراقية أن العرف الإداري يمثل مصدراً مهماً من مصادر القانون الإداري، ولا سيما في نطاق الوظيفة العامة.
وتتعدد تطبيقات العرف الإداري في العراق، ويظهر أبرزها في مجال الوظيفة العامة، إذ قد تستقر الإدارة، في حدود القانون، على اتباع إجراءات أو ممارسات معينة في تنظيم شؤون الموظفين، كآليات التعامل مع بعض الطلبات الوظيفية أو الإجراءات الإدارية التي لم يحدد التشريع تفاصيلها. ومتى توافرت في هذه الممارسة عناصر العرف، من انتظام واستمرار وعمومية واعتقاد بالإلزام، أمكن أن تتحول من مجرد ممارسة إدارية إلى قاعدة عرفية يتعين على الإدارة احترامها، مع بقاء ذلك مشروطاً بعدم تعارضها مع نص تشريعي نافذ. وقد تناولت دراسات عراقية حديثة تطبيقات العرف الإداري في التحقيق الإداري والتأديب الوظيفي، باعتباره من الأدوات التي تستعين بها الإدارة في تنظيم إجراءاتها متى استقرت الممارسة وتوافرت شروط العرف.
كما يظهر العرف الإداري في مجال سير المرافق العامة، عندما تستقر جهة إدارية على طريقة معينة في أداء أعمالها اليومية أو تنظيم إجراءاتها الداخلية، ويستمر العمل بها بصورة مطردة بما يجعلها قاعدة سلوكية مستقرة داخل المرفق. ويسهم ذلك في تحقيق قدر من الاستقرار والانتظام في العمل الإداري، خصوصاً في المسائل التي لم يتناولها المشرع بالتفصيل.
ويظهر تطبيق آخر في تفسير بعض الإجراءات والممارسات الإدارية، إذ قد تساعد الممارسة الإدارية المستقرة في الكشف عن الكيفية التي جرى عليها تنفيذ بعض القواعد القانونية، غير أن ذلك لا يعني أن العرف يستطيع تعديل النص التشريعي أو إلغاؤه؛ فالإدارة لا تملك أن تستند إلى عرف مخالف للقانون، لأن خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية يمثل القيد الأساسي على نشاطها.
ومن الناحية القضائية، تبرز أهمية العرف الإداري في المنازعات التي تُعرض على القضاء الإداري؛ إذ يمكن للقاضي أن يتحقق من وجود العرف ومدى استكماله لشروطه، وأن يراقب مدى مشروعية استناد الإدارة إليه. وقد أشارت الدراسات القانونية العراقية إلى أن تدخل القضاء الإداري في تحديد وجود العرف الإداري وصحته يمثل وسيلة مهمة لضبط نشاط الإدارة ومنع الاستناد إلى ممارسات لم تستكمل عناصر العرف الملزم.
وفي العراق، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء المادة (1) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 التي تجعل العرف مصدراً احتياطياً عند عدم وجود نص تشريعي يحكم المسألة. ومن ثم، فإن العرف الإداري لا ينبغي أن يُفهم باعتباره وسيلة تمنح الإدارة سلطة مستقلة عن القانون، وإنما بوصفه مصدراً مكملاً في الحدود التي يسمح بها النظام القانوني.
إن تطبيقات العرف الإداري في العراق تتجسد بصورة أساسية في مجال الوظيفة العامة، وتنظيم سير المرافق العامة، واستقرار الإجراءات والممارسات الإدارية، فضلاً عن دوره أمام القضاء الإداري. إلا أن الاعتراف بهذه التطبيقات يظل مرتبطاً باحترام مبدأ المشروعية، بحيث لا يجوز للعرف الإداري أن ينشأ أو يستمر على نحو يخالف نصاً تشريعياً آمراً، وهو ما يجعل العرف الإداري أداة مكملة للقانون وليست بديلاً عنه.
م. د. قاسم محمد حنتوش الهيمص
كلية القانون - جامعة المستقبل
خبر موصى لك