تُعد النمذجة الهيدرولوجية الجسر الذي يربط بين ما تتوقعه النماذج المناخية من أمطار وما يحدث فعلًا على الأرض من جريان سطحي. ويأتي نظام النمذجة الهيدرولوجية HEC-HMS، الذي طوره مركز الهندسة الهيدرولوجية التابع لسلاح المهندسين الأمريكي، في مقدمة الأدوات المستخدمة لهذا الغرض، فهو يحاكي عملية تحويل المطر إلى جريان في الأحواض الطبيعية والحضرية، ويُستخدم في تحليل الفيضانات وتقدير الإمدادات المائية.
وفي الدراسة التي نناقشها، استُخدم الإصدار 4.11 لبناء نموذج لحوضين في الفرات الأوسط هما الحلة والديوانية. وبدأ العمل بتحديد حدود الحوضين وتقسيمهما إلى أحواض فرعية، وبلغت 15 حوضًا فرعيًا في الحلة و14 في الديوانية، بالاعتماد على نموذج الارتفاع الرقمي SRTM بدقة 30 مترًا. ثم أُدخلت بيانات التربة من قاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة، وخرائط استخدامات الأراضي المستخرجة من صور Landsat، وبيانات الأمطار اليومية من CHIRPS للفترة 1991–2020، وذلك لتعويض غياب القياسات اليومية الكافية في المحطات الأرضية.
ويقوم النموذج على مكونين رئيسيين. الأول نموذج الفقد، وقد اعتمدت الدراسة فيه طريقة رقم المنحنى SCS-CN، التي تحسب الجريان من عمق المطر والاحتجاز الأقصى للتربة، وهو يتحدد بدوره برقم المنحنى الذي يجمع نوع التربة واستخدام الأرض. والثاني نموذج التحويل، وقد استُخدم فيه المخطط الوحدوي لـ SCS، الذي يحتاج إلى زمن التأخر، ويُقدَّر بنحو 0.6 من زمن التركيز المحسوب بمعادلة برانسبي–ويليامز. وتراوحت قيم زمن التأخر في الأحواض الفرعية بين نحو ساعتين وسبع ساعات، حسب مساحة الحوض الفرعي وطول مسار الجريان وانحداره.
وأظهرت قيم رقم المنحنى أن الحوضين شديدا الاستجابة للأمطار، إذ تراوحت بين نحو 88 و91 في جميع الأحواض الفرعية، بينما كان الفقد الابتدائي بين خمسة وسبعة ملم تقريبًا. ومعنى ذلك أن سطح الحوضين شبه كتيم، فلا يحتاج الجريان إلا إلى كمية قليلة من المطر ليبدأ، ويتحول جزء كبير من الأمطار الغزيرة إلى جريان مباشر. وهذا ما يفسر أيضًا لماذا يرتبط حجم الجريان من كل حوض فرعي بمساحته وبقيمة رقم المنحنى فيه.
ولاختبار سلوك النموذج اختيرت سنتان تمثلان حالتين متطرفتين بحسب مؤشري الجفاف، سنة جافة وأخرى رطبة. وفي الحلة بلغت ذروة الجريان عند المخرج نحو 131 م³/ث في السنة الجافة 2002 مقابل 194 م³/ث في السنة الرطبة 2018، وفي الديوانية نحو 135 م³/ث في السنة الجافة 2000 مقابل 224 م³/ث في 2018. أما الحجم المحاكى للجريان فتضاعف نحو 2.7 مرة بين السنتين في الحوضين، وهذا يوضح كم يتأثر الجريان بتباين الأمطار بين سنة وأخرى.
وفي المرحلة الأخيرة غُذِّي النموذج بسلاسل الأمطار المتوقعة من مولد الطقس LARS-WG تحت السيناريو المعتدل RCP4.5 والسيناريو المرتفع RCP8.5. واختُيرت لكل حوض سنة رطبة وسنة جافة مستقبلية بحسب مؤشرات الجفاف، وهي 2038 و2050 في الديوانية، و2026 و2042 في الحلة. وكانت النتائج متباينة بين الحوضين وبين السيناريوهين. ففي الديوانية بلغت الذروة المتوقعة في السنة الرطبة 2038 نحو 259 م³/ث تحت السيناريو المعتدل، أي بزيادة تقارب 15% عن الذروة المحاكاة لعام 2018، وانخفضت إلى نحو 140 م³/ث تحت السيناريو المرتفع، أي بنقص يقارب 37%. وفي السنة الجافة 2050 كانت الذروة نحو 142 م³/ث تحت المعتدل بزيادة 5% تقريبًا عن سنة الجفاف التاريخية، ونحو 102 م³/ث تحت المرتفع بنقص يقارب 25%. أما في الحلة فتراوحت الذروات المتوقعة بين نحو 112 و277 م³/ث.
وتلخص هذه الأرقام فكرة مهمة: الاتجاه العام للجريان المستقبلي ليس تراجعًا ثابتًا ولا ازديادًا ثابتًا، بل يتأرجح بحسب السنة والسيناريو وخصائص الحوض. فسنوات الجفاف الشديد تقلل الجريان، بينما قد تنتج السنوات الرطبة ذروات حادة بفعل التربة الكتيمة والأمطار المركزة، وهو ما يعني أن الخطر المزدوج للجفاف والسيول قد يتعايش في المنطقة نفسها.
ومع ذلك، فإن لهذه النتائج حدودًا لا بد من إدراكها. فهي مبنية على أمطار مستخرجة من الأقمار الصناعية، وعلى نماذج مناخية تتباين نتائجها، وعلى طريقة SCS-CN التي تختزل خصائص الحوض المعقدة في رقم واحد. ولذلك ينبغي أن تُقرأ بوصفها مؤشرات على اتجاهات محتملة تساعد على تخطيط حصاد المياه وحماية المنشآت والإنذار المبكر، لا بوصفها تنبؤات دقيقة.
قدمتها: م.م زهراء حسين محمد
المصدر: زهراء حسين محمد عزيز (2024). Projections of Climate Changes in Hydrological Regime of the middle Mesopotamian plain.