الأمن المائي مفهوم أوسع من وفرة المياه في سنة معينة، فهو قدرة البلد على ضمان احتياجاته من الشرب والزراعة والطاقة والبيئة بصورة مستقرة وقابلة للتوقع. وبهذا المعيار يبدو العراق في مفارقة واضحة، إذ مرّ بأسوأ أزماته المائية عام 2025، ثم عاش عام 2026 وفرةً غير معتادة، لكن عوامل الهشاشة الأساسية لم تتغير.
تبدأ الهشاشة من الجغرافيا، فنحو سبعين بالمئة من موارد العراق المائية تأتي من خارج حدوده من مرتفعات تركيا للفرات ودجلة، ومن إيران لروافد دجلة المهمة. ويوفر دجلة والفرات معًا الجزء الأكبر من المياه السطحية المستهلكة، بنحو ستين بالمئة لدجلة وأربعين بالمئة للفرات. وهذا يعني أن قرارات تشغيل السدود في دول المنبع تنعكس مباشرة على الزراعة ومياه الشرب في وسط العراق وجنوبه. dailysabah (https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/euphrates-tigris-water-dispute-new-chapter-in-turkiye-iraq-relations/amp)ice (https://www.ice.it/it/news/notizie-dal-mondo/308546)
وظهرت نتائج هذا الاعتماد بوضوح عام 2025. فقد وصفت وزارة الموارد المائية تلك السنة بأنها أسوأ سنة جفاف منذ عام 1933، وهبط المخزون الوطني إلى ثمانية بالمئة فقط من السعة الخزنية، وحُظرت الزراعة الصيفية والشتوية على مساحة تبلغ أربعة ملايين هكتار. وذكرت جهة رقابية بيئية عراقية أن تركيا شيّدت نحو عشرين سدًا على النهرين، وأن العراق لم يتسلم في أيلول 2025 إلا نحو 35% من استحقاقه، أي 200 متر مكعب في الثانية على دجلة مقابل 450 مطلوبة، و151 على الفرات مقابل 350. وهذه أرقام تعبّر عن الموقف العراقي، وهي محل خلاف بين الأطراف. Iraq’s Water Crisis is a Governance Crisis +2 (https://arabcenterdc.org/resource/iraqs-water-crisis-is-a-governance-crisis/)
أما أطراف المنبع فلها روايتها. فتركيا ترى أن البنية التحتية المائية العراقية قديمة وتهدر كميات كبيرة، وتذكر أوساط تركية أنها تسهم بنحو ستين بالمئة من التدفق المشترك للنهرين ولا تستهلك إلا نحو تسعة وعشرين بالمئة. وفي المقابل أقامت إيران سدودًا ومشاريع تحويل على روافد دجلة، ومنها سيروان (ديالى) والزاب الصغير، وقال مسؤول إيراني إن أولويتها تلبية حاجتها المحلية أولًا ثم حاجة جيرانها. وما يزيد الأمر تعقيدًا أن غياب اتفاقيات شاملة لتقاسم المياه مع دول الجوار يجعل العراق عرضة لقرارات أحادية. turkey iraq sign oil water deal what know +4 (https://app.al-monitor.com/originals/2025/11/turkey-iraq-sign-oil-water-deal-what-know)
وفي تشرين الثاني 2025 وقّع العراق وتركيا آلية لتنفيذ اتفاق المياه، تقوم على صندوق مشترك لتمويل مشاريع المياه من عائدات النفط العراقي، بحصة أولية تعادل 30 ألف برميل يوميًا. ويرى مسؤولون عراقيون أنها أول آلية ملزمة تلتزم بإبقاء التدفق المائي بحسب احتياجات العراق الفعلية. بينما يحذّر منتقدون من ربط عائدات النفط باتفاق قد يستفيد منه الجانب التركي أكثر، ومن مخاطر الفساد وسوء الإدارة، ويشير محللون إلى خطر الاعتماد الخارجي إذا أُوكل بناء البنية التحتية الأساسية لشركات أجنبية مدة طويلة في وقت تعاني فيه المؤسسات العراقية نقص التمويل والكوادر. وفي كانون الثاني 2026 استدعى البرلمان وزيري الخارجية والموارد المائية لتوضيح أسباب عدم انتظام الإطلاقات التركية. rudaw.net +4 (https://rudaw.net/english/categories/iraq/1078750)
ثم جاء شتاء 2026 بتحول لافت. فمع الأمطار الغزيرة والإطلاقات من دول الجوار، ثلاثة أضعاف الواردات مقارنة بعام 2025، وارتفع مخزون سد الموصل إلى 7.25 مليار متر مكعب وخزين سد حديثة إلى نحو 5.1 مليار، وبلغت واردات الفرات نحو 680 متر مكعب في الثانية مقابل 151 في الفترة نفسها من العام السابق. لكن المسؤولين أنفسهم حذّروا من أن هذا التحسن لا يعني العودة إلى الوضع الطبيعي، وأن الواردات لا تكفي مثلًا لإعادة ملء بحيرة الحبانية. ويرى خبراء أن تخزين المياه وحده لا يحل المشكلة بسبب قلة السدود وضعف الإدارة، وما زالت بعض المناطق مثل ديالى تعاني، إذ ذكرت تقارير في آب 2026 أن أكثر من أربعين قرية جنوب بهرز تواجه نقصًا حادًا. Iraq Water Reserves Surge as Tigris and Euphrates Inflows Triple +4 (https://channel8.com/english/news/65204)
أما العامل المناخي فيعمل في الخلفية بثبات. فقد قدّر البنك الدولي أن ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة مع انخفاض الأمطار عشرة بالمئة بحلول 2050 قد يقلل المياه العذبة المتاحة بنحو عشرين بالمئة، وأن قرابة ثلث الأراضي المروية قد تبقى بلا مياه. وتشير تقديراته أيضًا إلى أن الفجوة بين العرض والطلب سترتفع من نحو خمسة مليارات إلى أحد عشر مليار متر مكعب بحلول 2035. وتتوقع مؤشرات مناخية أخرى ارتفاعًا في الحرارة بنحو درجتين وانخفاضًا في الأمطار بنحو تسعة بالمئة بحلول 2050. وهذا ينسجم مع نتائج الدراسات المحلية التي ترجّح جفافًا أطول وأشد في الفرات الأوسط. World Bank warns over looming plunge in Iraq water resources +2 (https://www.jordannews.jo/Section-20/Middle-East/World-Bank-warns-over-looming-plunge-in-Iraq-water-resources-10193)
ولا تقتصر المشكلة على الخارج. فشبكة الري العراقية يعود جزء كبير منها إلى السبعينيات والثمانينيات، وتعمل بكفاءة تقارب ستين بالمئة بسبب الري بالغمر والقنوات غير المبطنة. ويقدّر البنك الدولي أن تحديث البنية الزراعية قد يخفض استهلاك المياه في الزراعة بين 30 و40 بالمئة، وتضاف إلى ذلك ظاهرة التجاوز عبر قنوات غير مرخصة تحرم المناطق الواقعة في نهاية المجرى. ورغم أن قانون مجلس المياه الوطني أنهى القراءة الأولى في البرلمان في نيسان 2026، يرى محللون أن جوهر الأزمة يتعلق بالحوكمة. Iraq’s water crisis: Dammed by neighbours, failed by leaders +4 (https://chathamhouse.org/2025/08/iraqs-water-crisis-dammed-neighbours-failed-leaders)
وبناءً على ذلك، لا يتحقق الأمن المائي بحل واحد، بل بمنظومة متكاملة: اتفاقيات ملزمة وشفافة مع دول الجوار، ورفع كفاءة الري، وبناء سعات خزن تحفظ فائض السنوات الرطبة لسنوات الجفاف، والاستفادة من المياه الجوفية والمياه المعالجة، وخطط طوارئ قائمة على مؤشرات جفاف مبكرة. فالسنة الرطبة فرصة لتنفيذ ما عجزت عنه السنوات الصعبة، لا مبرر لتأجيله.
وهكذا تقوم معادلة الأمن المائي في العراق على ثلاثة أطراف تتفاعل معًا: واردات تحددها قرارات خارج الحدود، ومناخ يزداد حرارة وتذبذبًا، وإدارة داخلية تحتاج إلى إصلاح. ومن دون معالجة الأطراف الثلاثة، فإن عامًا مطيرًا لا يغيّر المسار العام.
قدمتها: م.م زهراء حسين محمد
المصدر: تقرير البنك الدولي عن المناخ والتنمية في العراق (2022)؛ تحليل مركز تشاتام هاوس عن أزمة المياه في العراق (2025)؛ تحليل المركز العربي في واشنطن عن حوكمة المياه في العراق (2026)؛ تقارير وكالات إخبارية عراقية وإقليمية (شفق نيوز، روداو، كوردستان24، الجزيرة وغيرها) للفترة 2025–2026.