قدمته: م.م كوثر حيدر عبد اللطيف
المقدمة
تُصمَّم المنشآت عادةً لمقاومة الأحمال المتوقعة خلال عمرها الخدمي، كالأحمال الميتة والحية وأحمال الرياح والزلازل. غير أن بعض المنشآت قد تتعرض لأحداث استثنائية غير مألوفة، كالانفجارات أو الاصطدام أو الحرائق أو الأخطاء التصميمية والتنفيذية، تؤدي إلى فشل عنصر إنشائي رئيس مثل عمود أو جدار حامل. وإذا عجز المنشأ عن إعادة توزيع الأحمال بأمان، فقد ينتشر الفشل الموضعي إلى بقية العناصر حتى ينهار جزء كبير من المنشأ أو المنشأ بأكمله. وتُعرف هذه الظاهرة بـالانهيار التدريجي (Progressive Collapse)، وتُسمى أيضاً الانهيار غير المتناسب (Disproportionate Collapse) عندما يكون حجم الانهيار النهائي أكبر بكثير من حجم الضرر الأولي الذي تسبب به.
وتُعد هذه الظاهرة من أخطر مشاكل الهندسة الإنشائية، لأن عواقبها غالباً ما تكون جسيمة من حيث الخسائر البشرية والاقتصادية، ولأن أسبابها قد لا تكون مرتبطة بالأحمال التصميمية المعتادة.
مفهوم الانهيار التدريجي
يتميز الانهيار التدريجي بوجود حدث مُسبِّب أولي يؤدي إلى فشل موضعي، ثم انتقال الأحمال من العناصر الفاشلة إلى العناصر المجاورة، فتتجاوز هذه الأخيرة قدرتها فتنهار بدورها في سلسلة متتابعة. ويُنظر إلى مقاومة المنشأ لهذه الظاهرة من خلال مفهوم المتانة الإنشائية (Structural Robustness)، وهي قدرة المنشأ على تحمل الضرر الموضعي دون أن يتناسب الانهيار النهائي مع الضرر الأولي.
وقد صنّف بعض الباحثين، ومنهم ستاروسيك (Starossek)، أنماط الانهيار التدريجي إلى عدة آليات، أبرزها:
انهيار الطبقات المتتالية (Pancake-type): تسقط البلاطات الواحدة فوق الأخرى بعد فقدان الاستناد، فتتضاعف الأحمال الساقطة على الطوابق السفلية.
الانهيار السحّابي (Zipper-type): ينتشر الفشل أفقياً أو عمودياً على امتداد خط من العناصر المتجاورة، كما يُفتح السحّاب.
الانهيار المتتابع (Domino-type): يؤدي سقوط أو انقلاب جزء من المنشأ إلى دفع الجزء المجاور فينهار بدوره.
انهيار المقطع (Section-type): يتمزق مقطع العنصر مقطعاً بعد آخر بعد تجاوز قدرته.
انهيار عدم الاستقرار (Instability-type): يؤدي فقدان الاستقرار الموضعي إلى انتشار الفشل في بقية المنشأ.
الانهيار المختلط (Mixed-type): يجمع بين أكثر من آلية من الآليات السابقة.
الأسباب والمحفزات
يمكن أن تبدأ سلسلة الانهيار نتيجة أحداث متنوعة، منها:
الانفجارات: مثل انفجار الغاز أو الهجمات بالمتفجرات.
الاصطدام: كاصطدام المركبات بأعمدة الطوابق السفلية.
الحرائق: التي تضعف مقاومة الفولاذ والخرسانة وقد تؤدي إلى فقدان عناصر حاملة.
الأخطاء التصميمية والتنفيذية: كضعف مقاومة القص الثاقب في البلاطات، أو ضعف الوصلات، أو سوء جودة المواد.
التغييرات غير المدروسة في الاستخدام: مثل إضافة أحمال أو طوابق أو إزالة عناصر حاملة دون دراسة إنشائية.
التدهور بمرور الزمن: كتآكل التسليح أو ضعف الوصلات.
الكوارث الطبيعية: كالزلازل والانجراف والهبوط في الأسس.
حوادث تاريخية أسهمت في تطور الفهم
ارتبط تطور الاهتمام بهذه الظاهرة بعدد من الحوادث الشهيرة:
1. برج رونان بوينت (لندن، 1968): أدى انفجار غاز في شقة بالطابق الثامن عشر من برج سكني مشيّد من الألواح الخرسانية مسبقة الصب إلى انهيار الزاوية الجانبية للمبنى على امتداد ارتفاعه. وقد كشفت هذه الحادثة ضعف الاتصالات بين الألواح، وأدت إلى مراجعة اشتراطات البناء البريطانية وإدخال متطلبات للربط الإنشائي والمتانة العامة.
2. مبنى ألفرد مورّاه الفيدرالي (أوكلاهوما سيتي، 1995): دمّر انفجار شاحنة مفخخة أحد أعمدة الطابق الأرضي الرئيسة، فتسبب ذلك في انهيار جزء كبير من المبنى يفوق بكثير منطقة التأثير المباشر للانفجار. وكان لهذه الحادثة أثر كبير في تطوير إرشادات الحماية من الانهيار التدريجي للمباني الفيدرالية الأمريكية.
3. متجر سامبونغ (سيول، 1995): انهار هذا المبنى التجاري بصورة مفاجئة وأودى بحياة مئات الأشخاص. وأشارت التحقيقات إلى عوامل عدة، منها ضعف مقاومة القص الثاقب في وصلات الأعمدة والبلاطات، وزيادة الأحمال نتيجة التعديلات التي طرأت على المبنى. وتُستخدم الحادثة مثالاً على الانهيار المرتبط بعيوب التصميم والتنفيذ والتعديلات غير المدروسة.
مبادئ التصميم للحد من الانهيار التدريجي
تتفق المواصفات والإرشادات الحديثة على أن منع الفشل الموضعي بالكامل أمر غير ممكن اقتصادياً في جميع الحالات، وأن الهدف يتمثل في حصر الضرر ومنع تحوله إلى انهيار غير متناسب. وتُجمع الاستراتيجيات عادة في ثلاثة محاور:
1. الطريقة غير المباشرة (Indirect Design): تعتمد على تحسين المتانة العامة للمنشأ بتوفير حد أدنى من المقاومة والاستمرارية والمطيلية، مثل:
توفير قوى ربط (Tie Forces) أفقية ورأسية بين العناصر.
ضمان استمرارية التسليح وتفصيل الوصلات بمطيلية كافية.
استخدام تفصيل إنشائي يسمح بتكوين مفاصل لدنة بدلاً من الفشل الهش.
2. الطريقة المباشرة (Direct Design): تتناول سلوك المنشأ صراحةً عند فقدان عنصر، وتشمل:
طريقة المسار البديل للأحمال (Alternate Load Path Method): يُفترض إزالة عنصر حامل (كعمود) ثم يُتحقق من قدرة المنشأ على إعادة توزيع الأحمال دون انهيار غير متناسب.
طريقة المقاومة الموضعية المحددة (Specific Local Resistance): تُقوّى العناصر الحرجة لتتحمل الأحمال الاستثنائية المتوقعة، كأعمدة الطوابق السفلية المعرضة للتفجير أو الاصطدام.
3. الحد من التعرض للمخاطر (Event Control): مثل ضبط الوصول إلى المبنى، وإبعاد المركبات عن الواجهات، وتقليل مخاطر الانفجار والحريق عبر إجراءات تخطيطية وأمنية.
أساليب التحليل
يُستخدم في تقييم مقاومة المنشأ لفقدان عنصر حامل عدد من أساليب التحليل، منها:
التحليل الخطي الساكن: يمثل أبسط الطرق، ويعتمد عادة معاملات تضخيم لتمثيل الأثر الديناميكي لفقدان العنصر.
التحليل اللاخطي الساكن: يأخذ بالحسبان سلوك المواد اللدن والتشوهات الكبيرة، ويعطي تقديراً أقرب للواقع.
التحليل اللاخطي الديناميكي: يُعد الأكثر دقة لأنه يحاكي الأثر الزمني لفقدان العنصر وانتقال الأحمال، لكنه الأكثر تعقيداً وكلفة حسابية.
وتبرز في هذه التحليلات أهمية اعتبار الأثر الديناميكي الناتج عن إزالة العنصر المفاجئة، لأن الأحمال التي تنتقل إلى العناصر المجاورة تكون أكبر مما تعطيه التحليلات الساكنة البسيطة.
العوامل المؤثرة في مقاومة المنشأ
تتأثر قدرة المنشأ على مقاومة الانهيار التدريجي بعوامل عدة، منها:
المطيلية والاستمرارية: فالمنشآت ذات التفصيل المطيل والوصلات المستمرة تتحمل التشوهات الكبيرة وتعيد توزيع الأحمال بصورة أفضل.
درجة التكرار الإنشائي (Redundancy): وجود مسارات بديلة متعددة لنقل الأحمال يقلل أثر فقدان أي عنصر منفرد.
النظام الإنشائي: إذ يختلف سلوك الهياكل الهيكلية والجدارية والألواح مسبقة الصب والأنظمة ذات البلاطات المسطحة.
سلوك الوصلات: فهي غالباً الحلقة الأضعف في الأنظمة مسبقة الصب والمعدنية.
القص الثاقب في البلاطات المسطحة: إذ يمكن لفشل موضعي عند عمود أن ينتشر إلى الأعمدة المجاورة بفعل زيادة الأحمال عليها.
جودة التنفيذ والمواد: فالعيوب التنفيذية قد تحول الفشل الموضعي إلى انهيار واسع.
المواصفات والإرشادات
تناولت عدة مواصفات وإرشادات دولية موضوع المتانة الإنشائية والانهيار التدريجي، منها:
مواصفة الأحمال الأمريكية ASCE 7، التي تتضمن متطلبات عامة للتكامل الإنشائي.
الإرشادات الأمريكية الصادرة عن إدارة الخدمات العامة GSA، ومعايير وزارة الدفاع UFC 4-023-03، التي تتناول تصميم المباني لمقاومة الانهيار التدريجي.
الكود الأوروبي EN 1991-1-7 المتعلق بالأحمال الاستثنائية، الذي يعتمد تصنيف المباني بحسب فئات العواقب.
اشتراطات الربط الإنشائي في مدونة ACI 318 للخرسانة المسلحة.
وتعتمد أغلب هذه المواصفات مبدأ تدرج المتطلبات بحسب أهمية المبنى وعواقب انهياره، بحيث تتشدد الاشتراطات للمباني العالية أو كثيرة الإشغال أو ذات الأهمية الحيوية.
الانهيار التدريجي في المنشآت القائمة
لا تقتصر المشكلة على المنشآت الجديدة؛ فالمنشآت القائمة، ولا سيما المتقادمة، قد تفتقر إلى المتانة الإنشائية الكافية لأنها صُمّمت قبل تطور المواصفات الحديثة. ويتطلب تقييمها فحص الوصلات واستمرارية التسليح ومسارات الأحمال البديلة، إضافة إلى مراجعة التعديلات التي طرأت على المنشأ. ومن أساليب التحسين المتاحة تقوية الأعمدة والوصلات الحرجة، وإضافة عناصر ربط أو أنظمة دعم احتياطية، والحد من الأحمال الزائدة، وتنفيذ برامج الفحص والصيانة الدورية.
التحديات والاتجاهات البحثية
لا تزال هذه المسألة تواجه تحديات، منها الموازنة بين الكلفة الاقتصادية ومستوى الأمان المطلوب، وصعوبة التنبؤ بالأحداث الاستثنائية، وتفاوت المتطلبات بين المواصفات المختلفة. وتتجه الأبحاث الحديثة إلى دراسة سلوك الوصلات تحت التشوهات الكبيرة، وتطوير نماذج عددية متقدمة لمحاكاة الانهيار، وتقييم المتانة بالمنهج الاحتمالي، وتحسين أداء الأنظمة الإنشائية مسبقة الصب والبلاطات المسطحة، ودراسة تأثير الحريق المصاحب لفقدان العناصر الحاملة.
الخاتمة
يمثل الانهيار التدريجي أحد أخطر أنماط الفشل الإنشائي، إذ يحوّل ضرراً موضعياً محدوداً إلى انهيار واسع النطاق. وقد أظهرت الحوادث التاريخية أن أسبابه قد تكون استثنائية أو ناتجة عن عيوب في التصميم والتنفيذ، وأن الوقاية منه تتطلب منظومة متكاملة تشمل الربط الإنشائي والمطيلية والتكرار الإنشائي وتحليل المسارات البديلة للأحمال وجودة التنفيذ والصيانة الدورية. ومع تزايد ارتفاع المباني وتعقيدها، تزداد أهمية إدراج مفهوم المتانة الإنشائية ضمن ممارسات التصميم الاعتيادية، بوصفه جزءاً أساسياً من أمان المنشآت وحماية الأرواح.
المصادر
Starossek, U. (2009). Progressive Collapse of Structures. London: Thomas Telford.
Starossek, U., & Haberland, M. (2010). Disproportionate collapse: terminology and procedures. Journal of Performance of Constructed Facilities, 24(6), 519–528.
Adam, J. M., Parisi, F., Sagaseta, J., & Lu, X. (2018). Research and practice on progressive collapse and robustness of building structures in the 21st century. Engineering Structures, 173, 122–149.
Ellingwood, B. R., Smilowitz, R., Dusenberry, D. O., Duthinh, D., & Carino, N. J. (2007). Best Practices for Reducing the Potential for Progressive Collapse in Buildings. NISTIR 7396. Gaithersburg, MD: National Institute of Standards and Technology.
U.S. General Services Administration (GSA). (2013). Alternate Path Analysis and Design Guidelines for Progressive Collapse Resistance. Washington, DC.
U.S. Department of Defense. (2016). Design of Buildings to Resist Progressive Collapse. UFC 4-023-03. Unified Facilities Criteria.
American Society of Civil Engineers (ASCE). (2016). Minimum Design Loads and Associated Criteria for Buildings and Other Structures (ASCE/SEI 7-16). Reston, VA.
European Committee for Standardization (CEN). (2006). Eurocode 1: Actions on Structures – Part 1-7: General Actions – Accidental Actions (EN 1991-1-7). Brussels.
Izzuddin, B. A., Vlassis, A. G., Elghazouli, A. Y., & Nethercot, D. A. (2008). Progressive collapse of multi-storey buildings due to sudden column loss, Part I: Simplified assessment framework. Engineering Structures, 30(5), 1308–1318.
Griffiths, H., Pugsley, A., & Saunders, O. (1968). Report of the Inquiry into the Collapse of Flats at Ronan Point, Canning Town. London: HMSO.
Pearson, C., & Delatte, N. (2005). Ronan Point apartment tower collapse and its effect on building codes. Journal of Performance of Constructed Facilities, 19(2), 172–177.
Corley, W. G., Mlakar, P. F., Sozen, M. A., & Thornton, C. H. (1998). The Oklahoma City bombing: summary and recommendations for multihazard mitigation. Journal of Performance of Constructed Facilities, 12(3), 100–112.
Gardner, N. J., Huh, J., & Chung, L. (2002). Lessons from the Sampoong department store collapse. Cement and Concrete Composites, 24(6), 523–529.