تشكل حقبة العصر الجاهلي حلقة مهمة جداً في التاريخ الانثروبولوجي العربي ما بين العصر الاسلامي والعصور التي سبقته ولكن يبدو ان تلك الحقبة تعرضت للطمس والتدمير المتعمد بعد ظهور الاسلام لان معظم طقوسها وممارساتها تتنافى مع الدين الجديد الذي لابد له من القضاء على تلك الطقوس والممارسات لكي يحل محلها فيبلغ رسالته ويترسخ بين الناس ولكن مع كل تلك القوة التي تمتع بها الدين الاسلامي بقيت بعض العادات والطقوس لدى العرب وهي تحتمي بالصحراء حتى اعتبر الرسول (ص) المسلم الذي (يتبدى) كافراً : واستمرت بعض تلك الطقوس حتى مع العصور الاسلامية المتأخرة متخذة اشكالاً مختلفة .. ويشكل وجود الانثى بين العصرين (الجاهلي والاسلامي) علامة فارقة في التناقض ربما خفت هذا التناقض قليلاً قبل الاسلام . بفعل ظهور الديانات السماوية (اليهودية والمسيحية) تحديداً ووصولها الجزيرة العربية ولكن التناقض ظل على اشده وخاصة في العلاقة بين الرجل والمرأة – اجتماعياً – دينياً – واذا كانت العرب تئد البنات في العصر الجاهلي المتأخر لاسباب اقتصادية واجتماعية فان هذا الطقس كان من قبل بمثابة القربان الذي يقدمه العربي للاله (د) ابو الالهة وكبير الارباب. الأله الذي عبدته كل العرب ورمزت له بقرني ثور (وهي علامة القمر الذي أصبح فيما بعد هلالاً) والانثى هنا تشكل ثنائية للخصب مع الاله –د– رمز الرجل وان انت بصيغة القربان . كانت مكة قبل الاسلام مكاناً مقدساً لدى العرب لانها تضم تماثيل الآلهة وتمارس فيها الطقوس الدينية فيقصدها العرب حجيجاً كل عام ويطوفوا حولها عراة بلا أي ثياب وبشكل دائري يمثل حركة الكواكب وتمثل الالهة - العُزى- قبلة المرأة العقيم والعانس ويقول الالوسي عن هذا الاعتقاد ( كانت المرأة اذا عسر عليها خاطب النكاح نشرت جانباً من شعرها وكحلت احدى عيناها مخالفة للشعر المنشور وحجلت على احدى رجليها – ويكون ذلك ليلاً – فتقول "ابغي النكاح قبل الصباح" وتعتبر العُزى الإله الأنثى عند العرب. وهي ربة الجنس والخصوبة ولها مكانة خاصة عندهم وبقي بعض العرب يعبدونها حتى القرن الخامس الهجري كما ذكر اسحاق الانطاكي الذي عاش في بداية ذلك القرن.
لم يكن تمثال العزى يجسد امرأة بعينها بل رمزاً للجسد الطافح بالشهوة والعنف والرقة والقسوة معا والتمثال يجسد امرأة عارية جميلة برزت مفاتنها واختفى وجهها وراء قناع والى جانب هذه الإلهة الأنثى كان هناك تجسيداً آخر ليس للأنثى كجسد وانما للحظة الخصب، ويعد هذا التكوين من اشهر التماثيل التي كانت آنذاك في مكة ويمثل أساف ونائلة في لحظة جماع وفيه تبرز عبقرية الفنان العربي الذي استطاع تدوين لحظة انسانية بعينها لتكون بمثابة المضمون والشكل في آن واحد وفي ذروة ما يكون عليه التوقد الجسدي والروحي ولكن هذا التمثال يثير التساؤلات لشدة تأثيره وتتناقض الروايات حوله والطقوس التي كانت تؤدى له وهو بين روايتين الأولى تقول ان أساف ونائلة كانا عاشقين، وجاءا حاجين الى الكعبة وعندما كان يطوفان وجدا خلوة او غفلة من الناس فغلبها العشق فمارسا الحب داخل هذا المكان المقدس فمسخا صنمين وفي الصباح وجدهما الناس ولكن هذه الرواية تتعارض مع عبادة قريش وخزاعة والحجيج من العرب لهذا التمثال الثاني. فكيف يكونا مخطئين فاجرين ويعاقبا بمسخهما، وفي نفس الوقت يعبدان وتقدم لهما القرابين بينما يظل فعلهما نفسه سبب التقديس. وتقول رواية أخرى ان اساف كان في المكان نفسه بينما كانت نائلة في زمزم وقد قربتهم القبائل لتجسد ما حدث بينهما ذات يوم في البيت المقدس – اي المضاجعة- وتكاد هذه الرواية ما ذهب إليه بعض الباحثين والذي يقول بان العرب في العصر الجاهلي كانوا يمارسون الجنس في المعبد على عادة شعوب كثيرة واذا عدنا الى الطقوس الجاهلية نجد العرب وكما ذكرنا – يخلعون ثيابهم ويطوفون حول البيت عراة ومن ثم يدخلون الى بيوت عادة ما تحمل علامات خاصة ومعروفة فتكون في المعبد او قريبة منه ..وهي بيوت " البغايا المقدسة " فيقومون فيها ردحا من الزمن وتواترت شهادات على ان وطأ المومسات في العصر الجاهلي كان طقسا دينيا وثنيا مما يؤشر لنا ان العربي قبل الاسلام اعتبر جسد المرأة اداة للذه والابداع ومصدر للجمال والخصوبة الى الحد الذي شعر معه بالقدسية والتحرر من القيود الثقافية الذاتية والجمعية وقد اوقعة هذا الشعور والممارسات في فوضى جنسية والا كيف ننظر الى تعدد الانكحة في العصر الجاهلي كالمضامدة والمخادنة ونكاح الضيزن ونكاح الشغار ونكاح البديل وكلها تقاليد من عصور سحيقة ابقاها العرب الى جانب الزواج المعروف آن ذاك في الجاهلية. وربما يعد نكح الاماء في الاسلام امتداداً لبعض هذه الانكحة وظلت علاقة المرأة بالمكان المقدس ماثلة في العقل العربي حتى بعد الاسلام ومما يشير الى ذلك صراحة خروج شبان مكة والمدينة في العصور الاسلامية الاولى الى الكعبة في كل موسم حج للتعرض للنساء والتشبيب بهن كما كان يفعل الشاعر عمر بن ابي ربيعة والحارث بن خالد المخزومي وابو دهبلة الجمحي وغيرهم الكثير. انه امتداد لعادات وطقوس عربية جاهلية اعتادها العرب الذين وصلتهم هذه الطقوس من الحضارات المجاورة كالحضارة العراقية القديمة وربما كانت – الالهة – العزى تمثل عشتار.
ويطغى وجود الانثى في المعتقدات العربية الجاهلية فاذا نظرنا الى آلهتهم باختصار شديد نجدها تتمثل في عائلة صغيرة تتكون من ذكر وانثيين الذكر هو الاله –- الذي مثل القمر والانثى الالهة العزى التي تمثل كوكب الزهرة اضافة لالهة الخصب والنماء ورمز الام الكبرى ( الشمس ) ويقول مؤرخون ان المنذر ملك الحيرة كان يقدم اعداداً كبيرة من الاماء نذوراً وقرابينا للالهة – العزى- مما يؤكد ان جسد المرأة كان المكان الاسمى عند العربي في ممارسة الطقوس الدينية،بقلم م.م. حميد كاظم الزركاني.