ا د حيدر علي الدليمي
يمثل الشباب الكتلة الحيوية الأكبر في الهرم السكاني العراقي، وهم المحرك الأساسي لأي نهضة اقتصادية منشودة. ومع توجه العالم نحو تحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة (العمل اللائق ونمو الاقتصاد)، يواجه العراق تحدياً مزدوجاً: ضرورة تنويع مصادر الدخل القومي، وخلق فرص عمل حقيقية تتجاوز القدرة الاستيعابية للقطاع الحكومي المثقل بالبطالة المقنعة.
مفهوم العمل اللائق في السياق العراقي:
لا يقتصر "العمل اللائق" على مجرد الحصول على وظيفة، بل يمتد ليشمل الاستقرار، والأجر العادل، والحماية الاجتماعية، وبيئة العمل التي تحفظ كرامة الإنسان. في العراق، يتطلب تحقيق هذا الهدف الانتقال من "اقتصاد التوظيف" إلى "اقتصاد التشغيل"، حيث يصبح الفرد منتجاً ومساهماً في القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
ريادة الأعمال: الملاذ الآمن والبديل المستدام
إن خارطة الطريق نحو نمو اقتصادي شامل تبدأ من دعم المبادرات الشبابية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. ولتحقيق ذلك، يجب العمل على عدة محاور:
* تسهيل الإجراءات القانونية: تبسيط عملية تسجيل الشركات الناشئة وتقليل البيروقراطية.
* الشمول المالي: توفير قروض ميسرة ومنح ابتكارية للشباب بعيداً عن الشروط التعجيزية، لتتحول الأفكار الأكاديمية إلى مشاريع على أرض الواقع.
* الرقمنة والابتكار: استثمار المهارات التقنية للشباب في بناء "اقتصاد رقمي" يواكب التطورات العالمية ويخلق فرص عمل عن بُعد وفي مجالات البرمجيات والذكاء الاصطناعي.
مواءمة المخرجات التعليمية مع سوق العمل:
تلعب الكليات والمؤسسات الأكاديمية دوراً محورياً في هذا المسار. لم يعد كافياً منح الشهادات الجامعية، بل يجب:
1. تطوير المناهج: لتشمل مهارات القرن الحادي والعشرين مثل التفكير النقدي، والقيادة، واللغات.
2.التدريب الميداني: بناء جسور حقيقية بين الجامعات والقطاع الخاص لتدريب الطلبة قبل التخرج.
3.غرس ثقافة العمل الحر: تشجيع الطلبة على عدم انتظار "التعيين المركزي" والبدء في شق طريقهم المهني بشكل مستقل.
دور القطاع الخاص في النمو الاقتصادي:
إن تحقيق نمو اقتصادي مستدام (بمعدل لا يقل عن 7% سنوياً كما تستهدف الأهداف الدولية) يتطلب قطاعاً خاصاً قوياً وشريكاً حقيقياً للدولة. إن توفير بيئة استثمارية آمنة سيؤدي بالضرورة إلى جذب رؤوس الأموال، مما يفتح آلاف الفرص الوظيفية للشباب في مجالات الصناعة، والخدمات، والسياحة، والزراعة.
إن الوصول إلى "العمل اللائق" للشباب العراقي ليس حلمًا بعيد المنال، بل هو نتيجة حتمية لسياسات اقتصادية واعية تضع الإنسان في قلب عملية التنمية. إن استثمار طاقات الشباب اليوم هو الضمان الوحيد لاستدامة النمو الاقتصادي غداً، وتحويل العراق من بلد يعتمد على مورد ناضب إلى اقتصاد معرفي وإنتاجي متجدد.