بقلم / المدرس المساعد محمد نهاد الخفاجي /
يفرضُ الانفجار المعلوماتي الذي نعيشه اليوم واقعاً جديداً تحولت فيه وسائل الإعلام من مجرد قنوات لنقل الخبر إلى بيئات معقدة تشكل الوعي والاتجاهات البشرية، ومع تدفق السيول الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي والموقع الإخبارية، بات من الضروري امتلاك "حائط صد" فكري يحمي المتلقي من التضليل، وهنا تبرز التربية الإعلامية الرقمية ليس كترفٍ أكاديمي، بل كضرورة ملحة للبقاء المعرفي وصيانة الفكر الإنساني.
وتُمثلُ التربية الإعلامية الرقمية مجموعة من المهارات والكفايات التي تمكّن الفرد من الوصول إلى الرسائل الإعلامية وتحليلها، وتقييمها، ثم إنتاجها بطريقة أخلاقية وفعالة، فهي تحول المتلقي من مستهلك سلبي يصدق كل ما يقرأ، إلى ناقد حصيف يبحث عما وراء النص.
وتكمن أهمية هذا المفهوم في كيفية إعادة صياغة علاقتنا مع ما ينشر، من خلال أربعة محاور أساسية: أولها كشف التضليل والأخبار الكاذبة (Fake News) عبر فحص المصادر والمقارنة بين الروايات والتمييز بين الرأي الشخصي والحقيقة الموضوعية، وثانيها فهم "خوارزميات" التفكير التي تحبسنا في "فقاعات التأثير" التي تعزلنا عن الآراء المخالفة، حيث يعد الوعي بهذه الآلية أول خطوة لكسر الحصار الفكري.
ويتمثلُ المحور الثالث في تحليل الرسائل المبطنة وتفكيك الرموز لمعرفة الأجندات والجهات المستفيدة من النشر وتوقيته، بينما يركز المحور الرابع على المسؤولية في النشر (المواطن الصحفي) لتأصيل مبادئ النشر الأخلاقي، لنتعلم أن حرية التعبير لا تعني التحريض أو انتهاك الخصوصية أو بث الشائعات دون تثبت، ولتحويل هذه التربية إلى سلوك يومي، يمكن اتباع استراتيجية الأسئلة الخمسة قبل التفاعل مع أي محتوى رقمي، والتي تركز على فحص (المصدر) ومدى وثوقيته، ومراقبة (الدليل) الساند من أرقام وصور، وتدقيق (السياق) الزمني للمحتوى، ومستوى تلاعب المنشور بـ (العاطفة) لإثارة الغضب أو الخوف، وأخيراً كشف (التحيز) وهامش تهميش الآراء الأخرى.
وتُعدُ التربية الإعلامية الرقمية بمثابة "جهاز المناعة" لعقولنا في العصر الرقمي، فهي لا تدعونا لعدم الثقة بكل شيء، بل تدعونا لعدم التصديق الأعمى لأي شيء، وإن تحويل مجتمعاتنا إلى بيئات واعية إعلامياً هو الضمانة الوحيدة لبناء رأي عام مستنير قادر على مواجهة تحديات العصر.
جامعة المستقبل