تُعد القرارات الملكية في العراق القديم من أبرز الوسائل التي اعتمد عليها ملوك بلاد الرافدين في إدارة الدولة وتنظيم شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، إذ وردت في النصوص المسمارية باللغة السومرية (DI.DIB.BA)، ويقابلها في اللغة الأكدية (ṣimdat šarrim)، ويُراد بها الأوامر التي يصدرها الملوك لمعالجة الأزمات التي تمر بها البلاد، وإصلاح الأوضاع الاجتماعية، وإيجاد الحلول السريعة لبعض الحالات التي تتطلب إصدار مرسوم ملكي لمعالجتها فورًا.
فقد كان الملك يمثل السلطة العليا في المجتمع، ويُنظر إليه بوصفه المختار من الآلهة لإقامة العدل وحفظ النظام، لذلك اكتسبت قراراته قوة قانونية ودينية ملزمة. وقد جرت العادة أن يُعلن الملوك عن إصدار مرسوم عند بداية اعتلائهم العرش، تحقيقا للعدل والمساواة، إذ حفظت النصوص المسمارية، منذ عصر فجر السلالات وحتى العصر الآشوري الحديث، نماذج عديدة من هذه القرارات، مما يجعلها مصدرًا أساسيا لدراسة نظم الحكم والإدارة في حضارات بلاد الرافدين.
وكانت هذه القرارات تدوَّن على الألواح الطينية أو تُنقش على المسلات الحجرية، ثم تُرسل إلى الحكام والموظفين والمعابد لتنفيذها، مما يؤكد وجود تنظيم إداري متطور في العراق القديم.
كما أظهرت النصوص المسمارية تنوعًا في الألفاظ التي استُعملت للدلالة على القرارات والأوامر الملكية. ففي اللغة السومرية ورد مصطلح (nam-tar ) الذي يعني (القضاء) أو (القرار النافذ) أو (القدر المحتوم)، وقد ارتبط بإرادة الآلهة، ثم أصبح يدل على القرار الذي لا يجوز مخالفته، كما استعملت الكلمة السومرية DI (𒁲) للدلالة على (الحكم القضائي ) أو (الفصل في الخصومات)، وهي من أكثر المصطلحات ورودا في النصوص القانونية.
أما في اللغة الأكدية، فقد استُخدم مصطلح awātu šarri ويعني (كلمة الملك) أو (الأمر الملكي)، وهو تعبير يشير إلى القرارات الصادرة مباشرةً عن الملك، والتي تتمتع بقوة قانونية ملزمة. كما وردت كلمة šipirtu بمعنى (الأمر) أو (التوجيه الرسمي) في المراسلات الملكية والإدارية.
ومن أهم المصطلحات القانونية mīšarum، ويُقصد بها (إقرار العدالة)، وهي مراسيم كان يصدرها الملوك لإلغاء الديون، أو إعادة الحقوق إلى أصحابها، وإطلاق سراح بعض الفئات، تحقيقًا للعدالة الاجتماعية ، كما ورد مصطلح andurārum، الذي يعني (الحرية) أو (التحرير)، واستُخدم في المراسيم الخاصة بإلغاء الالتزامات أو تحرير الأشخاص من بعض القيود القانونية والاقتصادية.
وتعكس هذه المصطلحات طبيعة الفكر السياسي والإداري في بلاد الرافدين، إذ لم يكن القرار الملكي مجرد أمر إداري، بل كان يمثل قانونا نافذا يستمد شرعيته من السلطة الملكية والإرادة الإلهية.
أنواع القرارات الملكية
١_ القرارات الإدارية
شملت تعيين كبار الموظفين والولاة، وتنظيم إدارة المقاطعات، والإشراف على المعابد والمخازن الملكية، وإدارة الأراضي الزراعية، وشبكات الري.
٢_ القرارات الاقتصادية
اهتمت بتنظيم التجارة والأسواق، وتحديد الضرائب، وإدارة الأراضي، ومنح الإعفاءات الضريبية، وإصدار مراسيم العدالة الاقتصادية التي تضمنت إلغاء الديون وإعادة الأراضي إلى أصحابها.
٣_ القرارات القضائية
تضمنت إصدار القوانين والأحكام القضائية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وتُعد شريعة أورنمو وشريعة حمورابي من أبرز النماذج التي جسدت السلطة القضائية للملك.
٤_ القرارات العسكرية
شملت إعلان الحرب، وتعبئة الجيش، وتعيين القادة العسكريين، وتنظيم الحملات العسكرية، وبناء الحصون، وتأمين حدود الدولة.
٥_ القرارات الدينية
تمثلت في بناء المعابد وترميمها، وتقديم القرابين للآلهة، وتنظيم الاحتفالات الدينية والأعياد الرسمية، بوصف الملك ممثلًا للآلهة وحاميًا للنظام الكوني.
م.د انغام سليم محمد