أعدّت التدريسية م.م. رسل مشتاق طالب من قسم تقنيات صحة المجتمع في جامعة المستقبل مقالاً علمياً بعنوان «تطبيقات الذكاء الاصطناعي في علوم الحياة والطب الحديث.. تقييم التوازن بين الثورة التقنية والمخاطر الصحية والبيئية المجتمعية»، تناولت فيه الجدل القائم حول دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في علوم الحياة والطب الحيوي، وتأثيراته المتعددة الأبعاد، مع التركيز على تحقيق التوازن بين الفوائد التقنية والاقتصادية والمخاطر الصحية والبيئية المجتمعية.
واستعرضت المقالة الفوائد التي يمكن أن يحققها الذكاء الاصطناعي في علوم الحياة والطب الحديث، ولا سيما تسريع اكتشاف الأدوية، وتطوير الطب الدقيق والشخصي، وحل معضلات البيولوجيا الحاسوبية، والتقنيات العصبية الحاسوبية، في مقابل مجموعة من التحديات المرتبطة بالانحياز الخوارزمي، وخصوصية البيانات الجينية، وضبابية التفسير الطبي، والتأثيرات غير المستهدفة على البيئة الحيوية.
وأشارت المقالة إلى أن التضخم الهائل في البيانات البيولوجية والجينية دفع العالم نحو التحول من منهجية الملاحظة المختبرية التقليدية إلى منهجية قائمة على البيانات الضخمة، مبينةً أن الذكاء الاصطناعي يوفر حلولاً مبتكرة لتشخيص الأمراض المعقدة وتصميم العلاجات الشخصية، إلا أن ذلك يرافقه عدد من التساؤلات المتعلقة بالسلامة الحيوية وأخلاقيات التطبيق وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة على الصحة العامة والنظم البيئية البشرية على المدى البعيد.
وفي الجانب التقني والاقتصادي، تناولت المقالة دور الذكاء الاصطناعي في حل معضلات البيولوجيا الحاسوبية والتركيبية، من خلال التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات بدقة متناهية، كما في نموذج AlphaFold، بما يفتح آفاقاً لتصميم الإنزيمات البيئية والبروتينات المصنعة لعلاج الأمراض.
كما تناولت أهمية الذكاء الاصطناعي في تطوير الطب الدقيق والشخصي من خلال تحليل التسلسل الجيني والتحليلات متعددة الأوميكس (Multi-Omics)، بما يسهم في تصميم خطط علاجية مخصصة، ورفع كفاءة الاستجابة الدوائية وتحديد العلاج الأنسب لكل مريض.
وبيّنت المقالة كذلك إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في تقليل تكاليف وأزمات تطوير الأدوية، عبر اختصار رحلة إنتاج الأدوية من عقود إلى أشهر معدودة، من خلال المسح الكيميائي الرقمي والتنبؤ بفاعلية المركبات، الأمر الذي يخفض تكاليف الإنتاج وينعكس إيجاباً على أسعار الرعاية الصحية.
وتطرقت المقالة إلى التقنيات العصبية الحاسوبية (BCI)، ودورها في فك شفرات الإشارات الكهربائية للدماغ واستعادة الوظائف الحركية والحسية للمصابين بالشلل عبر الأطراف الذكية.
وفي المقابل، ناقشت المقالة أبرز المخاطر الصحية والأخلاقية والبيئية المجتمعية، ومنها الانحياز الخوارزمي الناتج عن الاعتماد على قواعد بيانات غير متوازنة ديموغرافياً، وما قد يؤدي إليه ذلك من نتائج تشخيصية غير دقيقة لبعض الأعراق والإثنيات، فضلاً عن مخاطر انتهاك خصوصية البيانات الجينية وتسريب أو استغلال السجلات الطبية والشفرات الجينية للمرضى من قبل جهات تجارية.
كما سلطت الضوء على مشكلة التفسيرية والشفافية أو ما يعرف بظاهرة «الصندوق الأسود» في القرارات الطبية المشتقة من الذكاء الاصطناعي، والتي قد تصعّب على الممارسين الصحيين فهم المسببات الدقيقة للتشخيص الخوارزمي، إلى جانب التأثيرات غير المستهدفة على البيئة الحيوية، ومنها احتمال حدوث طفرات جينية غير متوقعة عند استخدام الذكاء الاصطناعي في تعديل الكائنات الدقيقة أو المحاصيل، بما قد يهدد التنوع البيولوجي.
وأكدت المقالة أهمية الدور التقني لمتخصصي تقنيات صحة المجتمع في التعامل مع هذه التحديات، من خلال إجراء التقييم الخوارزمي قبل الاعتماد، وإخضاع النماذج الطبية واختبارات التنبؤ الجيني لاختبارات الدقة والسلامة الحيوية وفق بروتوكولات منظمة الصحة العالمية (WHO)، فضلاً عن تعزيز أنظمة التتبع والشفافية الأخلاقية، وضمان حق المريض في المعرفة والموافقة المستنيرة، وتشفير بياناته البيولوجية لمنع الاختراق أو الاستغلال.
كما أكدت أهمية إجراء الدراسات الوبائية الطولية لرصد ومتابعة أي تغيرات أو انحرافات صحية ونمطية في المجتمعات التي تعتمد أنظمة رعاية صحية مدارة بالذكاء الاصطناعي.
وخلصت المقالة إلى أن دمج الذكاء الاصطناعي في علوم الحياة والطب الحديث يمثل أداة تقنية قوية لتطوير الرعاية الصحية العالمية، لكنه ليس خالياً من المخاطر، الأمر الذي يتطلب تحقيق توازن دقيق بين الابتكار العلمي ومبدأ الحيطة (Precautionary Principle)، مع تعزيز الأطر التنظيمية والرقابة التقنية، لضمان أن يخدم هذا التحول الرقمي صحة المجتمع ولا يهدد سلامته الحيوية.
واعتمدت المقالة في مصادرها المقترحة على عدد من المراجع العلمية، من بينها Nature Medicine (2024) حول تطبيقات وحوكمة الذكاء الاصطناعي في الطب الحيوي والصحة العامة، ومنشورات منظمة الصحة العالمية (WHO) بشأن أخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي من أجل الصحة، فضلاً عن Journal of Computational Biology في موضوع التكامل متعدد الأوميكس المدفوع بالذكاء الاصطناعي في الطب الدقيق.
جامعة المستقبل الجامعة الأولى في العراق