مقالة بعنوان "النمو الاقتصادي المستدام والعمل اللائق في العراق: نحو اقتصاد منتج قادر على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط"
ا.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية
يمثل الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة أحد أكثر الأهداف ارتباطاً بمستقبل الاقتصاد العراقي، لكونه يجمع بين مسارين متلازمين: تحقيق النمو الاقتصادي المستدام والشامل، وتوفير العمل اللائق والمنتج لجميع أفراد المجتمع.
وتنبع أهمية هذا الهدف من حقيقة أن النمو الاقتصادي لا يكتسب قيمته الحقيقية من ارتفاع الناتج المحلي أو زيادة الإيرادات العامة فحسب، وإنما من قدرته على خلق فرص عمل مستدامة، وتحسين دخول المواطنين، ورفع الإنتاجية، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي.
وفي الحالة العراقية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة تعريف مفهوم النمو الاقتصادي، والانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي إلى نموذج إنتاجي أكثر تنوعاً، يكون القطاع الخاص فيه شريكاً أساسياً في توليد الدخل وفرص العمل.
النمو النفطي لا يعني بالضرورة نمواً اقتصادياً مستداماً
يمتلك العراق ثروة نفطية كبيرة، وقد وفرت الإيرادات النفطية للحكومة مورداً رئيساً لتمويل الموازنة العامة والإنفاق العام. إلا أن الاعتماد المرتفع على النفط يجعل الاقتصاد شديد الحساسية لتقلبات الأسعار العالمية وحجم الصادرات والظروف الجيوسياسية.
وتكمن المشكلة الأعمق في أن القطاع النفطي، رغم أهميته الاستراتيجية، لا يستطيع بمفرده استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل. ولذلك، فإن زيادة إنتاج النفط أو ارتفاع أسعاره قد يرفع الإيرادات العامة، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة مماثلة في فرص العمل.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام العراق يتمثل في تحويل الإيرادات النفطية من مصدر للاستهلاك الجاري إلى أداة لتمويل التحول الاقتصادي والإنتاجي.
من اقتصاد الوظيفة إلى اقتصاد العمل
أصبح الحصول على وظيفة حكومية في العراق بالنسبة إلى شريحة واسعة من المجتمع أحد أهم مسارات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومع اتساع حجم القطاع العام، أصبح من الصعب على الدولة الاستمرار في استيعاب الأعداد المتزايدة من طالبي العمل.
وهنا تظهر الحاجة إلى تغيير جوهري في الثقافة والسياسة الاقتصادية معاً: الانتقال من «اقتصاد الوظيفة» إلى «اقتصاد العمل».
فالعمل لا ينبغي أن يرتبط حصراً بالوظيفة الحكومية، بل يجب أن تتوافر بيئة اقتصادية تسمح للفرد بالعمل في القطاع الخاص، أو تأسيس مشروعه الخاص، أو تطوير مهاراته، أو الدخول في الاقتصاد الرقمي، مع ضمان حقوقه الأساسية وحمايته الاجتماعية.
إن بناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل يتطلب أن تصبح الوظيفة الحكومية خياراً من بين خيارات متعددة، وليس الخيار الاقتصادي شبه الوحيد أمام الشباب.
القطاع الخاص حجر الأساس في خلق فرص العمل
يمثل القطاع الخاص المحرك الرئيس لتوليد فرص العمل في الاقتصادات الحديثة. إلا أن دوره في الاقتصاد العراقي ما يزال دون الإمكانات المتاحة، نتيجة مجموعة من التحديات المرتبطة ببيئة الأعمال والتمويل والإجراءات الإدارية والمنافسة والاستقرار التشريعي.
ولذلك، فإن تفعيل الهدف الثامن يتطلب بناء بيئة أكثر جاذبية للاستثمار الخاص، تقوم على تبسيط الإجراءات، وتقليل البيروقراطية، وتحسين الوصول إلى التمويل، وحماية المنافسة، وتعزيز الشفافية، واستقرار التشريعات الاقتصادية.
كما ينبغي توجيه الاستثمار الخاص نحو القطاعات المنتجة، وليس فقط القطاعات ذات العائد السريع، بما يسهم في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل مستدامة.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة: محرك التشغيل
تكتسب المشروعات الصغيرة والمتوسطة أهمية خاصة في الاقتصاد العراقي بسبب قدرتها على الانتشار في مختلف المحافظات والمناطق، واستيعاب شرائح واسعة من العمالة، وتوفير مصادر دخل للأسر.
غير أن نجاح هذا القطاع يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ من التمويل ولا تنتهي عنده. فصاحب المشروع يحتاج إلى التدريب، والاستشارات، والتسويق، والمعلومات، والخدمات الرقمية، والبنية التحتية، فضلاً عن نظام ضريبي وإداري يتناسب مع طبيعة هذه المشروعات.
كما يمكن للمصارف والمؤسسات المالية أن تؤدي دوراً أكبر في تمويل المشروعات الإنتاجية، خصوصاً إذا ارتبط التمويل بدراسات الجدوى وخطط العمل والتدفقات النقدية للمشروع.
التعليم وسوق العمل: فجوة تحتاج إلى معالجة
من أبرز تحديات سوق العمل العراقي وجود فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد. فالنمو في أعداد خريجي الجامعات لا يقابله دائماً نمو مماثل في الوظائف التي تتطلب تخصصاتهم.
ولذلك، فإن إصلاح سوق العمل يبدأ من إصلاح منظومة المهارات.
ويحتاج العراق إلى تعزيز التعليم التقني والمهني، وتوسيع التدريب المستمر، وربط الجامعات بصورة أكبر باحتياجات القطاعات الاقتصادية، وتشجيع الطلبة على اكتساب مهارات تتجاوز المعرفة النظرية إلى المهارات التطبيقية والرقمية والإدارية.
كما ينبغي أن تصبح الجامعات شريكاً مباشراً في عملية التنمية الاقتصادية من خلال البحث التطبيقي، وحاضنات الأعمال، وبرامج ريادة الأعمال، والتعاون مع القطاع الخاص.
العمل اللائق: جودة الوظيفة لا عدد الوظائف
لا يقتصر مفهوم العمل اللائق على توفير فرصة عمل، وإنما يشمل جودة هذه الفرصة من حيث الأجر العادل، والاستقرار، والحماية الاجتماعية، وبيئة العمل الآمنة، وتكافؤ الفرص.
ومن هنا، فإن السياسات الاقتصادية العراقية ينبغي ألا تقيس نجاحها بعدد الوظائف التي تم توفيرها فقط، بل أيضاً بقدرتها على توفير وظائف منتجة ومستدامة تحفظ كرامة العامل وتزيد من إنتاجيته.
إن الاقتصاد الذي يخلق وظائف منخفضة الإنتاجية أو غير مستقرة قد يخفف البطالة مؤقتاً، لكنه لا يحقق بالضرورة تنمية مستدامة.
الاقتصاد الرقمي وفرص العمل الجديدة
يشهد العالم تحولاً متسارعاً نحو الاقتصاد الرقمي، وهو ما يوفر للعراق فرصة مهمة لتوسيع سوق العمل خارج الأنماط التقليدية.
فالعمل عن بُعد، والخدمات الرقمية، والبرمجة، والتجارة الإلكترونية، والتسويق الرقمي، وتحليل البيانات، والخدمات المالية الرقمية، تمثل مجالات يمكن أن تستوعب أعداداً متزايدة من الشباب، ولا سيما من يمتلكون المهارات المناسبة.
وتتطلب الاستفادة من هذه الفرصة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والتعليم، والمهارات، والأمن السيبراني، والتشريعات المنظمة للاقتصاد الرقمي.
المرأة والشباب في قلب النمو الاقتصادي
لا يمكن للاقتصاد العراقي أن يحقق نمواً شاملاً إذا بقيت قطاعات واسعة من السكان خارج سوق العمل أو محدودة المشاركة الاقتصادية.
ويمثل الشباب مورداً بشرياً مهماً يمكن أن يتحول إلى محرك للنمو إذا توافرت له المهارات والتمويل والفرص. كما أن زيادة مشاركة المرأة اقتصادياً يمكن أن تضيف طاقة إنتاجية مهمة إلى الاقتصاد الوطني.
ومن ثم، فإن سياسات التشغيل ينبغي أن تستهدف إزالة العوائق التي تحد من مشاركة الشباب والنساء، وتوفير بيئة عمل أكثر مرونة وأماناً وعدالة.
الإيرادات النفطية وتمويل التحول الاقتصادي
لا يعني تقليل الاعتماد على النفط التخلي عن هذه الثروة، بل يعني إعادة توظيفها في بناء اقتصاد ما بعد النفط.
فالإيرادات النفطية يمكن أن تكون مصدراً لتمويل البنية التحتية، والتعليم، والتكنولوجيا، والطاقة، والنقل، والمياه، والصناعة، والزراعة، والمشروعات الإنتاجية.
والفارق الجوهري يكمن في كيفية استخدام هذه الإيرادات: هل تذهب بصورة رئيسة إلى الإنفاق الجاري والاستهلاك، أم تتحول إلى استثمارات ترفع إنتاجية الاقتصاد وتخلق فرص العمل للأجيال الحالية والمستقبلية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل جوهر التحول الاقتصادي الذي يحتاجه العراق.
نحو استراتيجية وطنية للنمو والعمل
يتطلب تحقيق الهدف الثامن بناء استراتيجية وطنية متكاملة لسوق العمل والنمو الاقتصادي، تتجاوز المعالجات الجزئية، وتربط بين الاستثمار والتعليم والتمويل والقطاع الخاص والحماية الاجتماعية.
وينبغي أن تقوم هذه الاستراتيجية على مجموعة من المبادئ، أهمها: تنويع مصادر النمو، دعم القطاع الخاص، تشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تطوير التعليم المهني والتقني، الاستثمار في المهارات الرقمية، تحسين بيئة الأعمال، وتوجيه الإنفاق العام نحو القطاعات التي ترفع الإنتاجية.
كما ينبغي تطوير مؤشرات واضحة لقياس أثر السياسات الاقتصادية، بحيث لا يكون معدل النمو وحده معياراً للنجاح، وإنما تضاف إليه مؤشرات البطالة، ومشاركة القوى العاملة، والإنتاجية، ومستويات الدخل، وجودة الوظائف، ونمو القطاع الخاص.
إن تحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة يمثل بالنسبة للعراق أكثر من مجرد التزام دولي؛ فهو يمثل حاجة اقتصادية حقيقية ترتبط بمستقبل الدولة والمجتمع.
فالعراق لا يحتاج فقط إلى اقتصاد ينمو، وإنما إلى اقتصاد ينتج ويشغّل ويبتكر ويخلق القيمة. ولا يحتاج فقط إلى وظائف جديدة، وإنما إلى وظائف لائقة ومستدامة ترفع إنتاجية الفرد وتحسن مستوى معيشته.
والطريق إلى ذلك يبدأ من إعادة بناء العلاقة بين النفط والتنمية، وبين الدولة والقطاع الخاص، وبين التعليم وسوق العمل. فبدلاً من أن يكون النفط مصدراً لتمويل الاستهلاك، ينبغي أن يتحول إلى أداة لتمويل التنويع الاقتصادي. وبدلاً من أن تكون الوظيفة الحكومية الوجهة الأساسية للشباب، ينبغي أن يصبح الاقتصاد العراقي قادراً على توفير خيارات واسعة من العمل والإنتاج وريادة الأعمال.
إن النمو الاقتصادي الحقيقي هو الذي يتحول إلى فرص، والعمل اللائق هو الذي يتحول إلى إنتاجية، والإنتاجية هي التي تتحول في النهاية إلى تنمية مستدامة.
ومن هذا المنطلق، فإن تفعيل الهدف الثامن يمكن أن يشكل أحد أهم المسارات لبناء اقتصاد عراقي أكثر تنوعاً وقدرة على الصمود، وأقل اعتماداً على النفط، وأكثر قدرة على توفير مستقبل اقتصادي أفضل للأجيال القادمة.