ا.د حيدر علي الدليمي
على عكس الاعتقاد السائد بأن رأس المال الأجنبي يتمتع بحماية خاصة في ظروف الحرب، أثبت الواقع الميداني أن المنشآت والشركات ذات الملكية الأجنبية ليست بمنأى عن الأضرار. فمنذ تصاعد العمليات العسكرية، تعرضت مصانع ومستودعات وموانئ وسفن تجارية تابعة لكبرى الشركات العالمية (مثل ArcelorMittal وBunge وCoca-Cola) لخسائر جسيمة.
ولا تقتصر الخسارة الاقتصادية على التدمير المادي المباشر للمباني والمعدات، بل تمتد إلى الخسائر التشغيلية (توقف الإنتاج، تعطل سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف التأمين البحري والنقل البري) والخسائر الاستثمارية طويلة الأجل (تراجع جاذبية السوق وزيادة علاوة المخاطر). ومع ذلك، لا يعني التعرض للضرر انسحاباً فورياً للشركات، بل يعيد صياغة قرارها الاستثماري بين تكلفة الاستمرار ومخاطر الخروج.
الربط بالاقتصاد العراقي
يحمل هذا النموذج الأوكراني إسقاطات مهمة وواقعية على الاقتصاد العراقي وبيئة الاستثمار فيه، نظراً لتقاطع الظروف الأمنية والجيوسياسية:
• 1. حساسية البنية التحتية وسلاسل الإمداد: كما ظهر في استهداف المستودعات والموانئ الأوكرانية (مثل أوديسا)، فإن أي توتر أمني محتمل أو اضطراب إقليمي يؤثر مباشرة على الموانئ العراقية (كميناء الفاو الكبير وموانئ أم قصر) وشبكات النقل الداخلي، مما يرفع تكاليف التأمين والشحن ويضع ضغوطاً تضخمية على الأسعار المحلية.
• 2. جذب واستقرار رأس المال الأجنبي: يعتمد العراق بشكل كبير على جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعات الطاقة، الصناعة، والزراعة. إن غياب بيئة آمنة ومستقرة ومحمولة بضمانات قانونية وتأمينية قوية ضد المخاطر السياسية والنزاعات سيجعل الشركات الدولية حذرة جداً أو مترددة في ضخ استثماراتها طويلة الأجل.
• 3. تداعيات الخسائر التشغيلية على الأسواق المحلية: إن تعطل أي منشأة صناعية أو غذائية كبرى في العراق بسبب الظروف الأمنية لا يضر بالشركة المستثمرة فحسب، بل يمتد أثره ليدمر شبكة الموردين المحليين، والمزارعين، وقطاع التجزئة، مما ينعكس سلباً على توفير فرص العمل ومستويات الأمن الغذائي.
ملاحظة اقتصادية: إن الدرس الأبرز المستفاد من التجربة الأوكرانية هو أن "تكلفة المخاطر" أصبحت العنصر الأهم والأرجح في قرارات الشركات العالمية، متفوقة أحياناً على حجم العائدات المحتملة؛ وهو تحدٍ جوهر يجب على السياسات الاقتصادية العراقية أخذه بعين الاعتبار لتعزيز مناخ الاستثمار وتحصينه ضد الأزمات الإقليمية.