ا.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية
كلما ارتفع الحديث عن زيادة إنتاج العراق النفطي، يعود السؤال الذي يجب ألا نتجاوزه: هل مشكلة العراق في قلة النفط، أم في الطريقة التي ندير بها اقتصادنا؟
قد نصل إلى ملايين إضافية من البراميل، لكن ماذا سيتغير إذا ظل الاقتصاد يعتمد على تصدير الخام، وتبقى الصناعة ضعيفة، والزراعة متراجعة، والقطاع الخاص محدوداً، والاستيراد يلتهم جزءاً كبيراً من الإيرادات؟
المشكلة ليست في النفط، بل في تحويل النفط من ثروة لتمويل التنمية إلى اقتصاد قائم بذاته على الريع النفطي.
العراق لا يحتاج إلى أن يبيع المزيد من النفط فقط، بل يحتاج إلى أن يحصل على قيمة أكبر من كل برميل.
لماذا لا يكون البرميل بداية لسلسلة إنتاج عراقية؟
تكرير، بتروكيمياويات، أسمدة، صناعات تحويلية، نقل، خدمات هندسية، تكنولوجيا، بحث علمي، وظائف ومشروعات للقطاع الخاص.
عندها لا يصبح النفط مجرد سلعة نصدرها، بل مادة أولية لاقتصاد صناعي متكامل.
والأهم أن النفط ثروة ناضبة، بينما مسؤوليتنا تجاه الأجيال المقبلة تفرض أن نحول عائداته إلى ثروات لا تنضب: مصنع يبقى، جامعة تتطور، تقنية تُوطّن، بنية تحتية تُنتج، شركة عراقية تكبر، ومهارة تنتقل من جيل إلى آخر.
لذلك، لا ينبغي أن يكون نجاح السياسة النفطية مرهوناً بالسؤال: كم برميلاً ننتج؟ بل بالسؤال الأعمق:
كم وظيفة خلقنا؟
كم مصنعاً بنينا؟
كم منتجاً عراقياً صنعنا؟
كم تقنية وطّنا؟
وكم أصبح اقتصادنا أقل اعتماداً على النفط؟
إن الشراكات مع شركات الطاقة العالمية يجب ألا تُقاس فقط بما تضيفه إلى حجم الإنتاج، بل بما تضيفه إلى قدرة العراق على الإنتاج والتصنيع ونقل المعرفة.
لقد امتلك العراق النفط لأكثر من قرن، لكن امتلاك النفط لم يمنحه بعد اقتصاداً متنوعاً بالقدر الكافي.
ولهذا فإن المعادلة التي تحتاج إلى تغيير هي:
ليس الهدف أن ننتج نفطاً أكثر.. بل أن ننتج عراقاً أكثر.
فزيادة إنتاج النفط قد تمنحنا إيرادات أكبر، لكن زيادة إنتاج العراق هي التي تمنحه مستقبلاً أكثر أمناً واستدامة.
والنفط في النهاية ليس ملكاً لجيلنا وحده؛ إنه أمانة بين الأجيال.
فلا تجعلوا نجاح العراق يُقاس بعدد البراميل التي استخرجها، بل بحجم الاقتصاد الذي بناه بعد أن استخرجها.