يُعدّ التلوث البيئي من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، ولا سيما تلوث المياه بالمواد العضوية والأصباغ والمركبات الكيميائية المختلفة. ومع تزايد الحاجة إلى تقنيات فعّالة ومستدامة لمعالجة هذه الملوثات، برزت تقنية التحفيز الضوئي (Photocatalysis) بوصفها إحدى التقنيات الواعدة في مجال المعالجة البيئية.
يعتمد التحفيز الضوئي على استخدام مادة شبه موصلة تُعرف بالمحفز الضوئي، حيث يؤدي تسليط الضوء بطاقة مناسبة إلى إثارة الإلكترونات من نطاق التكافؤ (Valence Band) إلى نطاق التوصيل (Conduction Band)، مما يؤدي إلى تكوين أزواج من الإلكترونات والفجوات الموجبة (Electron–Hole Pairs). وتشارك هذه الأنواع في سلسلة من التفاعلات على سطح المحفز، وينتج عنها تكوين أنواع الأكسجين التفاعلية (Reactive Oxygen Species, ROS)، مثل جذور الهيدروكسيل (•OH) وجذور فوق الأكسيد (•O₂⁻)، والتي تمتلك قدرة عالية على أكسدة وتحلل العديد من الملوثات العضوية.
ومن بين أشباه الموصلات التي حظيت باهتمام واسع في أبحاث التحفيز الضوئي أكسيد الزنك (ZnO)، وذلك لما يتميز به من خصائص بصرية وإلكترونية جيدة، إضافة إلى انخفاض تكلفته وتوافره وسميته النسبية المنخفضة. ويمكن استخدام ZnO في تحلل عدد من الملوثات العضوية، بما في ذلك الأصباغ والمركبات الدوائية وبعض الملوثات الناشئة.
وعلى الرغم من المزايا التي يمتلكها ZnO، فإن استخدامه يواجه بعض التحديات، من أهمها سرعة إعادة اتحاد الإلكترونات والفجوات، إضافة إلى محدودية استجابته للضوء المرئي بسبب فجوة الطاقة الواسعة نسبيًا. لذلك اتجهت الدراسات الحديثة إلى تطوير المحفزات الضوئية من خلال تقنيات مختلفة، منها التطعيم بالعناصر المعدنية، والتطعيم بالعناصر الأرضية النادرة، وتكوين المتراكبات والأنظمة غير المتجانسة (Heterojunctions)، بهدف تحسين فصل الشحنات وزيادة الاستجابة للضوء المرئي وتعزيز الكفاءة التحفيزية.
وتتميز تقنية التحفيز الضوئي بإمكانية تطبيقها في مجالات متعددة، من أبرزها معالجة مياه الصرف الصحي، إزالة الأصباغ والملوثات العضوية، الحد من بعض الملوثات الدوائية، وتنقية المياه من المركبات التي يصعب التخلص منها بالطرق التقليدية. كما تمثل هذه التقنية مجالًا مهمًا للبحث العلمي في الكيمياء، وعلوم المواد، وتقنيات النانو، والهندسة البيئية.
وفي ضوء التطور المتسارع في مجال المواد النانوية، يتواصل البحث عن محفزات ضوئية أكثر كفاءة واستقرارًا وقابلية للتطبيق العملي، بما يسهم في تطوير تقنيات مستدامة لمعالجة الملوثات وحماية البيئة. ومن هنا، يمثل التحفيز الضوئي أحد المجالات البحثية المهمة التي تجمع بين الكيمياء والمواد النانوية والتطبيقات البيئية الحديثة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق