أصبح التطور التكنولوجي جزءًا أساسيًا من الممارسة الحديثة في المجالات الطبية والتأهيلية، وأسهم الانتشار الواسع للأجهزة الذكية والتقنيات الرقمية في ظهور وسائل جديدة يمكن توظيفها في تقييم المرضى ومتابعة تطور حالتهم الوظيفية خلال برامج العلاج الطبيعي والتأهيل. ومن أبرز هذه التقنيات الأجهزة القابلة للارتداء، وهي أجهزة إلكترونية صغيرة يمكن ارتداؤها على الجسم أو استخدامها كجزء من الملابس والإكسسوارات، بهدف جمع معلومات وبيانات مرتبطة بالحركة والنشاط البدني وبعض المؤشرات الفسيولوجية والوظيفية. وتشمل هذه الأجهزة الساعات الذكية، وأساور تتبع النشاط البدني، والمستشعرات الحركية، وأجهزة قياس التسارع والدوران، إضافة إلى مستشعرات يمكن تثبيتها على الأطراف أو الجذع لمراقبة أنماط الحركة بصورة مستمرة. يعتمد العلاج الطبيعي بصورة أساسية على التقييم السريري الذي يجريه اختصاصي العلاج الطبيعي داخل العيادة أو مركز التأهيل، والذي يتضمن قياس مدى الحركة، والقوة العضلية، والتوازن، والتناسق الحركي، ونمط المشي، والقدرة على أداء الأنشطة الوظيفية. وعلى الرغم من أهمية هذه الاختبارات وضرورتها في تحديد المشكلات ووضع الخطة العلاجية، فإنها غالبًا ما تعكس أداء المريض في وقت محدد وضمن بيئة سريرية محددة. ومن هنا تظهر أهمية الأجهزة القابلة للارتداء، إذ يمكنها توفير بيانات مستمرة عن حركة المريض ونشاطه على مدى ساعات أو أيام، مما يسمح بالحصول على معلومات إضافية حول أدائه الحركي في البيئة الطبيعية التي يعيش فيها، وليس فقط أثناء جلسة العلاج الطبيعي. وتستطيع بعض الأجهزة القابلة للارتداء تسجيل عدد الخطوات التي يقطعها المريض، والمسافة المقطوعة، ومدة النشاط البدني، وفترات الجلوس والخمول، ومعدل الحركة خلال اليوم، بينما تستطيع الأنظمة الأكثر تخصصًا تحليل بعض خصائص المشي والحركة والتسارع والتوازن. وتختلف إمكانات هذه الأجهزة ودقة القياسات التي توفرها بحسب نوع الجهاز والمستشعر المستخدم ومكان تثبيته وطريقة جمع البيانات والخوارزميات المستخدمة في تحليلها. ولذلك فإن القيمة السريرية للجهاز لا تعتمد على قدرته على تسجيل البيانات فقط، وإنما على مدى دقة هذه البيانات وإمكانية تفسيرها وربطها بالحالة الوظيفية للمريضو تزداد أهمية استخدام هذه التكنولوجيا في الحالات التي يحتاج فيها اختصاصي العلاج الطبيعي إلى معرفة مستوى نشاط المريض خارج جلسات العلاج، أو متابعة التغيرات في نمط المشي والحركة، أو تقييم التزامه بالبرنامج العلاجي والأنشطة الموصوفة له في المنزل. فعلى سبيل المثال، قد يظهر المريض قدرة جيدة على المشي أو أداء تمرين معين أثناء وجوده في العيادة، إلا أن مستوى نشاطه الفعلي خلال الحياة اليومية قد يكون أقل بكثير. وتساعد الأجهزة القابلة للارتداء في الكشف عن هذا الفرق من خلال توفير معلومات موضوعية عن الحركة والنشاط على مدار اليوم، الأمر الذي يمكن أن يساعد المعالج في فهم الحالة بصورة أكثر شمولًا وتحديد الاحتياجات العلاجية بصورة أدق. كما يمكن دمج البيانات التي توفرها الأجهزة القابلة للارتداء مع نتائج التقييم السريري التقليدي، مما يتيح بناء صورة أكثر تكاملًا عن الحالة الوظيفية للمريض. فعلى سبيل المثال، يمكن مقارنة مستوى النشاط اليومي مع نتائج اختبارات القوة العضلية والتوازن والمشي ومدى الحركة، ومن ثم تحديد ما إذا كان التحسن الذي يظهر داخل العيادة ينعكس بالفعل على النشاط والأداء الوظيفي في الحياة اليومية. ويمنح هذا التكامل اختصاصي العلاج الطبيعي قدرة أكبر على متابعة تطور الحالة وتعديل البرنامج العلاجي وفقًا للنتائج الفعلية وقد أصبح مفهوم الصحة الرقمية والتأهيل عن بُعد جزءًا مهمًا من التطور الحديث في خدمات العلاج الطبيعي والتأهيل، مع تزايد الاهتمام باستخدام الهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء وأنظمة المراقبة الرقمية في متابعة المرضى. وتوفر هذه التقنيات إمكانية جمع البيانات من بيئة المريض الطبيعية ومتابعة التغيرات بين جلسة وأخرى، الأمر الذي قد يكون مفيدًا بصورة خاصة في برامج التأهيل طويلة الأمد التي تحتاج إلى متابعة مستمرة للوظيفة والنشاط وفي مجال العلاج الطبيعي، لا ينبغي النظر إلى الأجهزة القابلة للارتداء باعتبارها وسيلة للحصول على أرقام أو بيانات فقط، وإنما باعتبارها أداة مساعدة يمكن أن تسهم في فهم السلوك الحركي للمريض وتقييم استجابته للبرنامج العلاجي. ومن خلال مقارنة البيانات المسجلة في فترات مختلفة، يمكن للمعالج متابعة التغيرات في مستوى النشاط والحركة وتحديد الاتجاه العام للتطور الوظيفي. كما يمكن استخدام هذه المعلومات لتقديم تغذية راجعة للمريض وتشجيعه على الالتزام بالنشاط والبرنامج العلاجي، مع مراعاة أن البيانات الرقمية يجب أن تُفسر ضمن السياق السريري الكامل وألا تحل محل التقييم المباشر من قبل اختصاصي العلاج الطبيعي وبذلك تمثل الأجهزة القابلة للارتداء خطوة مهمة نحو تطوير أساليب التقييم والمتابعة في العلاج الطبيعي، لأنها تسمح بالانتقال من التقييم المحدود بوقت الجلسة إلى المراقبة المستمرة نسبيًا لأداء المريض في حياته اليومية. ومن المتوقع أن يزداد دور هذه الأجهزة مستقبلًا مع تطور المستشعرات وتقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، مما قد يوفر فرصًا أكبر لتطوير برامج تأهيل شخصية تعتمد على بيانات المريض الفعلية، وتدعم اتخاذ القرار السريري، وتحسن جودة المتابعة والاستمرارية في برامج العلاج الطبيعي والتأهيل
جامعة المستقبل
الجامعة الاولى في العراق .