يُعد الطب الشرعي البيئي مجالاً متعدد التخصصات يجمع بين العلوم البيئية، والكيمياء التحليلية، وعلوم الأدلة الجنائية؛ بهدف الكشف عن الملوثات البيئية، وتحديد مصادرها، وتوفير أدلة علمية تُستخدم في التحقيقات الجنائية والقانونية. وتكتسب هذه التخصصات أهمية بالغة في العراق نظراً للتحديات البيئية المرتبطة بالتلوث النفطي، والنفايات الصناعية، وتصريف مياه الصرف الصحي، وتلوث التربة والمياه بالمواد الكيميائية والمعادن الثقيلة.
الكشف عن الملوثات وتحديد مصادرها
تبدأ تحقيقات الطب الشرعي البيئي بجمع العينات من المياه، والتربة، والرواسب، والمواقع المحتملة للتلوث، تليها عمليات تحليل مخبري باستخدام تقنيات تحليلية متطورة. وتُستخدم تقنية "كروماتوغرافيا الغاز المقترنة بمطياف الكتلة" (GC-MS) على نطاق واسع للكشف عن المركبات العضوية والملوثات ذات الصلة بالنفط، بينما تُستخدم تقنية "مطياف الكتلة ذو البلازما المقترنة حثياً" (ICP-MS) لقياس تركيزات العديد من العناصر والمعادن الثقيلة.
ولا تقتصر وظيفة هذه التقنيات على الكشف عن الملوثات فحسب، بل تساعد أيضاً في تحديد "البصمات الكيميائية" لهذه الملوثات ومقارنتها بعينات مرجعية مأخوذة من المصادر المشتبه بها. فعلى سبيل المثال، يمكن مقارنة التركيب الكيميائي للتلوث النفطي في المياه بعينات من النفط أو المنتجات النفطية المأخوذة من منشأة صناعية قريبة، وذلك لتقييم ما إذا كانت تشترك في مصدر واحد. كما يمكن الاستعانة بنظم المعلومات الجغرافية (GIS) وصور الأقمار الصناعية لتحديد المناطق الملوثة، ورصد توزيع الملوثات، ودعم تفسير النتائج التحليلية.
دور الطب الشرعي البيئي في العراق
يمكن للطب الشرعي البيئي دعم التحقيقات المتعلقة بالتسربات النفطية، والتخلص غير القانوني من النفايات الصناعية، وتلوث الأنهار والمياه الجوفية، وعمليات التصريف التي قد تنتهك اللوائح البيئية. ويساعد الجمع بين التحليل الكيميائي والملاحظات الميدانية المحققين على فهم طبيعة التلوث، وتقييم مصادره المحتملة، وتوفير أدلة تدعم عمليات الرصد البيئي وإنفاذ القانون.
وتعتمد موثوقية الأدلة المستمدة من الطب الشرعي البيئي على سلامة إجراءات جمع العينات وحفظها ونقلها، بالإضافة إلى التوثيق الدقيق لـ "سلسلة الحيازة" (تسلسل تداول العينات) واستخدام طرق تحليلية معتمدة وموثوقة. كما يجب توخي الحذر عند تفسير النتائج؛ فمجرد الكشف عن ملوث ما أو تحديد بصمة كيميائية مطابقة لا يكفي بحد ذاته لإثبات المسؤولية الجنائية، بل يتطلب الأمر أدلة إضافية ذات صلة. التحديات والتطوير المستقبلي
يواجه تطبيق الأدلة الجنائية البيئية في العراق جملة من التحديات، منها الحاجة إلى مختبرات متخصصة، وأجهزة تحليلية حديثة، وكوادر مدربة، وقواعد بيانات مرجعية للملوثات ومصادرها المحتملة. ومن شأن تعزيز التعاون بين الجامعات، والمؤسسات البيئية، والمختبرات الجنائية، والسلطات القضائية أن يسهم في رفع جودة التحقيقات البيئية، ودعم الاستخدام الفعال للأدلة العلمية.
خاتمة
تُعد الأدلة الجنائية البيئية نهجاً علمياً مهماً، يتجاوز مجرد الكشف عن الملوثات ليصل إلى تحديد مصادرها المحتملة ودعم التحقيقات في الجرائم البيئية. ويمكن أن يسهم تطوير هذا المجال في العراق في مكافحة التلوث النفطي والصناعي، وتعزيز المساءلة القانونية، وحماية الموارد الطبيعية وصحة الإنسان، وذلك من خلال توفير أدلة علمية دقيقة وموثوقة.