لماذا نشعر بالنعاس في أوقات محددة، ونستيقظ أحيانًا قبل رنين المنبّه؟ ولماذا يختلف مستوى نشاطنا وتركيزنا خلال اليوم؟ ترتبط هذه الظواهر بمنظومة داخلية تُعرف بالساعة البيولوجية، تساعد الجسم على تنظيم وظائفه والتكيف مع تعاقب الليل والنهار.
ما الساعة البيولوجية؟
الساعة البيولوجية منظومة توقيت داخلية تنظّم الإيقاعات اليومية، وهي تغيرات جسدية وعقلية وسلوكية تتكرر خلال دورة تقارب أربعًا وعشرين ساعة. وتشمل تنظيم النوم والاستيقاظ، وإفراز بعض الهرمونات، ودرجة حرارة الجسم.
ولا توجد هذه المنظومة في عضو واحد فقط؛ إذ تمتلك أنسجة عديدة ساعات خلوية، ينسّق عملها مركز رئيس في الدماغ يقع في منطقة تحت المهاد، ويُعرف بالنواة فوق التصالبية. ويؤدي الضوء دورًا أساسيًا في ضبط هذا التوقيت الداخلي وربطه بالبيئة الخارجية.
الضوء والميلاتونين: إشارات لتنظيم النوم
تصل المعلومات المتعلقة بالضوء من العين إلى مراكز تنظيم التوقيت في الدماغ. ومع حلول الظلام، يزداد إفراز هرمون الميلاتونين، الذي يرسل إلى الجسم إشارة للاستعداد للنوم.
أما التعرض للضوء الساطع مساءً، بما في ذلك الإضاءة الصناعية والشاشات، فقد يؤثر في هذه الإشارة ويؤخر الاستعداد للنوم. ويتباين التأثير بحسب توقيت التعرض للضوء وشدته ومدته؛ لذلك لا يرتبط الأمر باستخدام الهاتف وحده، بل بالبيئة الضوئية المحيطة أيضًا.
لماذا يزداد النعاس كلما طالت اليقظة؟
لا تعتمد حاجتنا إلى النوم على الساعة البيولوجية وحدها؛ فهناك أيضًا ضغط النوم، الذي يزداد تدريجيًا كلما استمر الإنسان مستيقظًا، ثم ينخفض أثناء النوم. ومن المواد المرتبطة بهذه العملية الأدينوسين، الذي يتراكم خلال اليقظة ويساهم في الشعور بالنعاس.
وهكذا يتحدد توقيت النوم من تفاعل عاملين: إيقاع داخلي يحدد فترات الميل إلى اليقظة أو النوم، وحاجة متراكمة إلى الراحة تزداد مع مرور ساعات الاستيقاظ.
كيف يختل التوقيت الداخلي؟
قد يتأثر الإيقاع اليومي عند السفر بين مناطق زمنية مختلفة، أو العمل بنظام المناوبات، أو تغيير مواعيد النوم بصورة متكررة. ففي هذه الحالات، قد لا يتوافق توقيت الجسم الداخلي مع مواعيد العمل والنشاط والراحة، مما يجعل النوم في الوقت المطلوب أكثر صعوبة.
ويوضح اضطراب الرحلات الجوية هذه الظاهرة؛ إذ يصل الشخص إلى بلد جديد بينما تظل ساعته الداخلية مرتبطة مؤقتًا بتوقيت المكان السابق، ثم تتكيف تدريجيًا مع الإشارات البيئية الجديدة.
أهمية فهم الساعة البيولوجية
يساعد فهم هذه المنظومة على إدراك أن النوم عملية بيولوجية منظّمة، وأن توقيته يتأثر بالضوء والعادات اليومية، إلى جانب مدة البقاء مستيقظًا. كما يوضح سبب اختلاف الشعور بالنشاط بين ساعات اليوم، وصعوبة التكيف الفوري مع التغيرات الكبيرة في مواعيد النوم.
إن احترام الإيقاع اليومي للجسم يبدأ بالوعي بالعلاقة بين الضوء واليقظة والراحة، وبمنح النوم مكانته بوصفه وظيفة أساسية تدعم انتظام الحياة اليومية.
جامعة المستقبل – الجامعة الأولى في العراق