يمثل الموت الخلوي المبرمج إحدى الآليات الأساسية التي تحافظ على توازن الجسم، إذ تتخلص الأنسجة من الخلايا التالفة أو غير الضرورية بطريقة منظمة. ويُعد الاستماتة (Apoptosis) من أبرز أشكاله، وله دور مهم في النمو الجنيني وتجديد الأنسجة وتنظيم الاستجابة المناعية. وخلال هذه العملية تنكمش الخلية، ويتكثف محتواها النووي، وتتجزأ إلى أجسام صغيرة تبتلعها الخلايا البلعمية، مما يحد عادةً من تسرب محتوياتها وإثارة الالتهاب في الأنسجة المحيطة.
تحدث الاستماتة عبر مسارين رئيسيين: المسار الداخلي والمسار الخارجي. يبدأ المسار الداخلي استجابةً لضغوط خلوية، مثل تلف الحمض النووي أو نقص عوامل النمو، وتعتمد آليته على الميتوكوندريا. فعندما تزداد نفاذية غشائها الخارجي، يتحرر السيتوكروم «سي» إلى السيتوبلازم، ويسهم في تكوين مركّب يُسمى الأبوابتوسوم، الذي ينشّط إنزيم كاسباز-9، ثم الكاسبازات المنفذة التي تفكك مكونات الخلية. أما المسار الخارجي فيبدأ بارتباط إشارات محددة بمستقبلات الموت على سطح الخلية، مثل مستقبل Fas، مما يؤدي إلى تنشيط كاسباز-8، ثم تنشيط مرحلة التنفيذ. ويمكن أن يتداخل المساران لتعزيز الاستجابة.
ويخضع هذا النظام لتنظيم دقيق تحدده الموازنة بين الإشارات المحفزة لبقاء الخلية والإشارات الدافعة نحو موتها. وتؤدي عائلة بروتينات BCL-2 دورًا محوريًا في هذه الموازنة؛ إذ تساعد بعض أفرادها على بقاء الخلايا، بينما تسهم بروتينات أخرى، مثل BAX وBAK، في زيادة نفاذية الغشاء الخارجي للميتوكوندريا. كما يؤدي البروتين p53 دورًا في الاستجابة لتلف الحمض النووي، فيساعد على إيقاف دورة الخلية لإتاحة الإصلاح، أو يحفز الاستماتة عندما يكون الضرر شديدًا.
وتظهر الدلالة المرضية للاستـماتة عندما يختل تنظيمها؛ فانخفاضها قد يسمح ببقاء خلايا متضررة وتراكمها، مما يسهم في نشوء السرطان ومقاومة بعض العلاجات. وقد يؤدي ضعف التخلص من بعض الخلايا المناعية إلى اضطرابات المناعة الذاتية، بينما تسهم زيادة الاستماتة في فقدان خلايا مهمة في بعض حالات التلف العصبي وإصابات الأنسجة. لذلك يمثل فهم مساراتها أساسًا لتطوير علاجات تستهدف الخلايا السرطانية أو تحد من فقدان الخلايا السليمة، مع مراعاة اختلاف طبيعة المرض والنسيج المصاب.
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات العراقية الأهلية