نشأت حركة فلوكسوس (Fluxus) في ستينيات القرن العشرين بوصفها حركة فنية تجريبية ومتعددة التخصصات، وانتشرت في عدد من دول العالم، وسعت إلى تجاوز الحدود التقليدية بين الفنون وبين الفن والحياة اليومية. اعتمد فنانوها على أساليب مرنة ومرحة في إنتاج الأعمال، موظفين الأشياء والأفعال اليومية والموسيقى والأداء والحركة والفنون البصرية والأدب، بهدف تحدي المفاهيم التقليدية للفن وإشراك الجمهور في التجربة الفنية. ويُعد جورج ماسيوناس (George Maciunas) المؤسس والمنظم الرئيس للحركة، وقد وصف فلوكسوس بأنها مزيج من تأثيرات متنوعة شملت الموسيقى والفكاهة والألعاب والفودفيل وأفكار جون كيج ومارسيل دوشامب. ولم تكن الحركة ذات برنامج فني موحد أو أسلوب محدد، إذ اختلف فنانوها في رؤاهم وممارساتهم، حتى إن بعضهم رأى أن تعريف فلوكسوس بصورة دقيقة يتعارض مع روحها القائمة على الحرية ومقاومة التصنيفات. وتميزت الحركة بدمج الفنون البصرية والأدب والموسيقى والرقص والمسرح وفنون الأداء، وأسهمت في ترسيخ الأداء بوصفه وسيلة فنية مشروعة داخل المشهد الفني المعاصر. كما رفض فنانو فلوكسوس احتكار المتاحف والمؤسسات الفنية لتحديد قيمة العمل الفني، وانتقدوا مفهوم "الفن الرفيع" المرتبط بالنخبة، وسعوا إلى جعل الفن أكثر قربًا من الجمهور من خلال الأعمال البسيطة والمتاحة والفكاهية. واعتمدت العديد من أعمال الحركة على الصدفة ومشاركة الجمهور في تحديد النتيجة النهائية، بما يعكس رفض السيطرة الفنية الصارمة وإتاحة مساحة أكبر للتفاعل والاحتمال. وفي عام 1962، بدأ ماسيوناس بتطوير فكرة نشر النوتات والأعمال المرتبطة بحفلات فلوكسوس، ثم تطورت هذه الفكرة إلى ما عُرف بإصدارات فلوكسوس، التي شملت أعمالًا فنية ومواد مطبوعة صُممت ووزعت بأساليب غير تقليدية. كما أسس ماسيوناس شبكة لتوزيع أعمال الحركة عبر متاجر فلوكسوس التي يديرها الفنانون، والطلب بالبريد، والصحف والنشرات والمعارض المرتجلة المصاحبة للحفلات والمهرجانات. وأسهم هذا النظام في تجاوز المؤسسات الفنية التقليدية وإتاحة الأعمال للجمهور بصورة أوسع، فضلًا عن انخفاض تكلفتها، وهو ما جعلها متاحة لشريحة أكبر من الناس. وبذلك شكلت فلوكسوس تجربة فنية مؤثرة أعادت النظر في مفهوم العمل الفني، ودور الفنان والجمهور، والعلاقة بين الفن والحياة اليومية، وأسهمت في تطوير اتجاهات الفن التفاعلي وفنون الأداء والممارسات المفاهيمية في الفن المعاصر.