في قلب أرض بابل، حيث تتجاور الأسطورة مع التاريخ، وتتنفس الأرض عبق الحضارات القديمة، نشأت قرى تقليدية صغيرة احتضنت ذاكرة الناس وحكاياتهم. ومن بين هذه القرى، برزت كويرش بوصفها الأجمل والأكثر حضوراً في الوجدان، قرية لم تدون حكايتها في الكتب، بل حُفظت في صدور أبنائها جيلاً بعد جيل. كانت كويرش تستلقي على الضفة الشرقية لشط الحلة، بمحاذاة أطلال القصر الشمالي للملك نبوخذ نصر الثاني، وتغمرها بساتين النخيل التي تمنحها ظلاً دائماً وطمأنينة لا تنقطع. ويذكر السيد عباس المعموري، المولود سنة 1946، والذي عمل أميناً لمكتبة الحلة، والذي تكرم بإهدائي نسخة من مذكراته الخاصة عن القرية والتي شكلت جزءاً أساسياً من المعلومات التي اعتمدت عليها هذه المقالة، بان مجتمع القرية لم يكن نتاج نسب واحد بل كان فسيفساء بشرية من قبائل وعائلات متعددة، مثل الدليم وخفاجة وربيعة والمعامرة وغيرهم. ومع الزمن، تمازجت هذه الأصول المختلفة لتصنع وحدة اجتماعية متماسكة، يقودها الشيخ حبيب علاوي الدليمي، والذي توفي عام 1918، والذي لم يكن مجرد شيخ، بل رمز مقاومة وكرامة. في زمن الاضطراب، حين اشتد بطش العثمانيين، وقف الشيخ حبيب في وجه السلطة، لا يخشى تهديداً ولا وعيداً. وخلال أحداث عام 1916 (دكة عاكف)، فتح أبواب قريته للفارين من المجازر، وحول موقعها المطل على النهر إلى نقطة قوة، فاستولى على سفينة عسكرية عثمانية محملة بالسلاح، ووزع ما فيها على أبناء القرى، ليصبح النهر شاهداً على لحظة تمرد نادرة في تاريخ المكان. وفي قلب القرية، ارتفع بناء مهيب عُرف بـ "القصر الألماني"، وهو منزل الشيخ نفسه، الذي استضاف البعثة الأثرية الألمانية بقيادة روبرت كولدفاي. على الرغم من شيوع تسمية "القصر الألماني" للمبنى فإن هذا الوصف لا يعكس حقيقته التاريخية بدقة، إذ تعود ملكيته الأصلية إلى الشيخ حبيب علاوي الدليمي. ومع وصول البعثة الألمانية إلى بابل عام 1899 برئاسة روبرت كولدڤاي، اتخذت من منزل الشيخ حبيب مقراً أولياً لإقامتها. ومع توسع أعمال التنقيب وتزايد متطلباتها اللوجستية والإدارية، لم يعد المنزل كافياً لاستيعاب نشاط البعثة، الأمر الذي دفعها إلى إبرام عقد مع الشيخ يقضي باستئجار نصف الدار لمدة خمس سنوات. وقد تضمن العقد شرطاً يقضي بأن تتحمل البعثة تكاليف انشاءات أي وحدة بنائية تجريها داخل المنزل، على أن تؤول ملكية هذه الإضافات إلى الشيخ بعد انتهاء مدة الإيجار. وقد ورد هذا الشرط في الوثائق الألمانية. استناداً إلى ذلك، باشرت البعثة الألمانية بتنفيذ توسعات معمارية داخل الدار، شملت إنشاء مرافق إضافية وبناء جناحين جديدين، وإعادة تنظيم الفضاءات الداخلية، فضلا عن بناء إسطبلٍ للخيول ضمن مجمّع الدار بما يتلاءم مع طبيعة العمل الأثري والإداري، وقد شُيِّد جزء كبير منه شأنه شأن بقية مرافق البيت بالطابوق البابلي. وتعكس هذه الإضافات المعمارية طبيعة التحول النوعي الذي شهدته أعمال التنقيب في بابل، إذ انتقلت من مراحلها الأولية ذات الطابع الاستكشافي إلى مرحلة أكثر تنظيماً، استلزمت تطوير البنية التحتية المكانية بما يتلاءم مع تزايد حجم النشاط الأثري. غير أن اعمال التنقيب تراجعت بشكل مفاجئ مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، إذ تراجعت أنشطة التنقيب بصورة ملحوظة، واضطر أفراد البعثة، ومن بينهم روبرت كولدڤاي وغوتفريد بودنزيغ، إلى مغادرة بابل في 7 آذار 1917 مع اقتراب القوات البريطانية. بعد انتهاء الحكم العثماني ودخول القوات البريطانية وانتهاء التنقيبات الألمانية في بابل، شهدت قرية كويرش، شأنها شأن بقية مناطق العراق، تحولات ملحوظة حيث انعكست هذه التحولات على مختلف الجوانب الاجتماعية والإدارية، ولا سيما في مجال التعليم. ففي مرحلة ما قبل استقلال العراق عن الانتداب البريطاني، وتحديداً عام 1931، أُسست أول مدرسة في القرية تحت اسم "مدرسة بابل الابتدائية"، والتي تعد من أوائل المؤسسات التعليمية في محافظة بابل. وكانت هذه المدرسة في جزء من بيت الشيخ او ما يعرف باسم " القصر الألماني"، ثم اتسعت التجربة التعليمية، بعد ان بادر الشيخ ظاهر حبيب العلاوي إلى التبرع بقطعة أرض لإنشاء مدرسة جديدة للبنين، فانتقلت إليها العملية التعليمية، بينما تحول المبنى القديم إلى مدرسة خاصة للبنات، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام بتعليم الإناث وتوسّع دائرة التعليم في المجتمع المحلي. وبذلك، يُظهر هذا المبنى نموذجاً واضحاً لتداخل الأبعاد المحلية والدولية في تاريخ بابل الحديث، حيث تحوّل من دار سكني محلي إلى مركز لنشاط أثري أجنبي، ثم إلى مؤسسة تعليمية أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والتعليمي في المنطقة.
في سياق اخر متصل بالعمارة، لم تكن كويرش مجرد مكان للسكن، بل كانت منظومة حياة متكاملة. بيوتها الطينية، المبنية من اللبن وطابوق بابل، ولا سيما الطابوق المستخرج مما يُعرف لدى سكان القرية بـ “القصر الأصفر"، وهو القصر الشمالي للملك نبوخذ نصر الثاني، الذي اكتسب تسميته من انعكاس أشعة الشمس على جدرانه، فتبدو بلونٍ أصفر ذهبي. كانت هذه البيوت، بتصميمها البسيط، تنسجم مع مناخ العراق القاسي، كما انسجمت مع روح العمارة الرافدينية منذ آلاف السنين. أما سور القرية فكان ارتفاعه حوالي ثلاثة أمتار، شيد من اللبن ودعم بطابوق بابل أيضا، تتخلله أبراج صغيرة وفتحات للرماية، علاوة على ذلك، أُنشئ مضيف كبير وسط القرية من قبل الشيخ حبيب العلاوي الدليمي وقد شيد من الطابوق البابلي واللبن، وتميز بباب خشبي كبير مُدعّم بأشرطة حديدية ومسامير ضخمة. وقد ظل هذا البناء قائماً حتى سنوات الرحيل (1986–1987). والى جانب العمارة التقليدية، اشتهرت القرية أيضا بالزراعة، وظهرت مهن أخرى، مثل استخراج الملح من "تل الملح"، حيث كانت النساء يملأن الجرار بالماء المالح ويضعنهن داخل تلال بابل، ويتركن الشمس تكمل عملها، فيتبخر الماء ليترك الملح مستقرا في الجرار. ومع مرور السنوات، تحوّلت كويرش إلى وجهة سياحية يقصدها العراقيون والأجانب، بعد زيارتهم آثار بابل، على ضفاف النهر، في المقاهي الصغيرة، جلس الزوّار يتأملون المشهد ذاته الذي تأمله سكان القرية منذ عقود. وقد مر بها روساء، مثل عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وجلسوا في مقهى مزهر، يشربون الشاي، ويصغون إلى صمت المكان. لكن، كما يحدث دائماً، لا شيء يبقَى على حاله. ففي مطلع ثمانينيات القرن العشرين، قام صدام حسين بزيارة الموقع، وقد أُعجب به إعجاباً كبيراً، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى اتخاذ قرار بترحيل سكان القرية وتعويضهم، تمهيداً لإقامة قصر رئاسي في موقعها. وقد شُيد هذا القصر ليحاكي، من حيث الفكرة والموقع، قصور نبوخذ نصر المجاورة، حيث أُقيم على مقربة منها، مع مراعاة البعد الرمزي والتاريخي للمكان. وهكذا اختفت القرية، الا ان قرية كويرش بقيت، رغم كل شيء، أكثر من قرية. إنها ذاكرة حية، وصورة مصغرة لعلاقة الإنسان بالآثار والتاريخ، حيث يلتقي الطين بالماء، وتتعانق الحكاية مع المكان، في مشهد لا يشيخ، وإن تغيّرت ملامحه.
م.م عمار عبود محسن